You are currently viewing نظرة قانونية تجاه العملات المشفرة

نظرة قانونية تجاه العملات المشفرة

شهد نظام النقد الدولي تطورات جذرية في السنوات القليلة الماضية وعلى وجه الخصوص ارتباطه بتطور التقنية والتكنولوجيا ومع التطور ظهرت حلول عصرية وجديدة عرفت بالتقنية المالية الرقمية (Fin-Tech) ومن أبرز منتجاتها الـ (Blockchain) ويعرف على أنه دفتر أستاذ رقمي. أدى هذا التطور الهائل مؤخراً إلى ظهور العملات الرقمية “المشفرة” على الرغم من ما أثارته من مخاوف دولية بسبب مخاطرها العالية وجَهْل مصدرها وانتشارها الواسع وتقلباتها السريعة خاصة أن الحياة الاقتصادية ذات أهمية عظمة وتأثير ذو حساسية على استقرار وأمن الدول.

ولعلنا نورد تعريف بسيط عن العملة المشفرة (Cryptocurrencies) والتي تعد نوع من العملات “الافتراضية” الرقمية والتي تعرف أيضا بـ النقود الرقمية أو النقود الإلكترونية أو العملات الإلكترونية، إلا أنه هناك اختلافات أساسية وجوهرية فيما بينهما وأبرزها أن العملات المشفرة لا مركزية ولا تمر بأي من المصارف المركزية وهي غير خاضعة لأي سلطة فلا وجود لهيئة تنظيمية تقف خلفها ويتم تداولها والتعامل بها بشكل مباشر ما بين مستخدم وآخر دون وجود وسيط وتعد ذات مجهولية وعلى النقيض من ذلك فالعملات الرقمية هي عملات مركزية يتم تداولها رقمياً عبر الإنترنت وخاضعة للوسطاء، وجميعها ليس لها وجود مادي إلا أن خصائصهما ذات خصائص الأوراق النقدية والعملات المعدنية والتي تعد عملات قانونية مادية ولعلنا نذكر الأكثر شهرة في العملات المشفرة والتي لاقت رواج كبير وهي البتكوين والتي ظهرت في مطلع 2009 وتم تداولها للمرة الأولى والتي استفادت من تقنية الـ (Blockchain) التي تتيح التعامل اللامركزي حيث أنه يمكن التحقق من أي عملية دون الحاجة لتوثيق جهة مركزية.

فقد عرف البنك الدولي العملات المشفرة: ” تمثيل رقمي للقيمة المقومة بوحدة الحساب الخاصة بها وهي مجرد وسيلة دفع رقمية تمثل العملات الورقية”

وعرف البنك المركزي الأوروبي (ECB): تمثيل رقمي للقيمة لا تصدر من قبل البنوك المركزية والتي يمكن بغض الظروف استخدامها كبديل عن النقد.

وعرف صندوق النقد الدولي (IMF): تمثيل رقمي للقيمة صادرة عن مطورين خاصين ومقومة في وحدة الحساب الخاصة بهم.

وعرفت مجموعة العمل المالي (FATF): تمثيل رقمي للقيمة التي تتداول رقمياً كوسيلة للتبادل أو مخزن للقيمة أو وحدة حساب وليس لها اعتراف قانوني.

يأتي السؤال هنا ما هي مخاطر التعامل في العملات المشفرة وهل هناك نظام أو قانون يكفل حماية المستخدمين؟

فنجيب عن ذلك بأن مخاطر العملات المشفرة عديدة على الرغم من عوائدها على المستوى الفردي إلا أن مخاطرها عالية وعواقبها سلبية كونها غير خاضعة لسلطة رقابية وتوقع مستخدميها في  الاحتيال من خلال سرقة أو اختراق أو قرصنة ما يملكه من عملات مشفرة والتي تكبده خسائر طائلة، بالإضافة إلى عدم وفاء الطرف المقابل بالتزاماته من حيث توفير السيولة عند حاجتها، أيضا عدم التأكد من أن الطرف الأخر التي يحتفظ بأموالك في حسابات افتراضية قادر على تلبية طلباتك واحتياجاتك المالية والاحتفاظ بما تملكه في المستقبل بالنظر إلى تذبذبها السعري الشديد وضبابية تقلباتها السعرية مما تجعل المستخدمين عرضة لخسارة رأس المال.

 كما أن ظهور العملات المشفرة سلكت الطريق لجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب حيث أن المجرمون يقومون بنقل الأموال وإيداعها واستبدالها وتحويلها دون التعريف بهويتهم الشخصية نظراً لاستخدام بروتوكول الند للند (Peer to Peer Network) دون الحاجة إلى ذكر أسماء أو عناوين ولا وجود لأي وسيط في العملية كما أنه يمكن إيداع ونقل العملات المشفرة بشكل سريع وسهل عبر العالم دون الاعتراف بالحدود الجغرافية أو السيادية للدول فلا تتطلب تدقيق العملية أو مراجعتها كونها لا تخضع لأي سلطة رسمية في غالبية الدول ولا تحتاج إلا الوصول إلى شبكة الانترنت، كما أنه يستحال اعتراض العملية أو عكسها مما يظهر جلياً أثرها السلبي على اقتصاد الدول والمجتمع الدولي كافة خاصةً أن جريمة غسل الأموال ليست وليدة اللحظة فهي غير مسبوقة بل تعد جريمة لاحقة لأحد الجرائم الداخلية أو الدولية على سبيل المثال ( جرائم المخدرات – الإتجار بالبشر – بيع الأسلحة) وغيرها من الجرائم التي يصعب حصرها كما أنه يصعب معرفة الحجم الحقيقي للقيمة التي تم غسلها عبر العملات المشفرة.

أصبح لدى البعض رؤية ضبابية حول قانونية العملات المشفرة، ومن أهم الاعتبارات القانونية لدى الأفراد المستثمرين بالعملة هو طريقة نظر السلطات المركزية إلى العملات المشفرة.

جاء موقف المملكة العربية السعودية سباقاً وواضحاً حيال العملات المشفرة فقد حذرت اللجنة الدائمة للتوعية والتحذير بالبنك المركزي السعودي من نشاط المتاجرة بالأوراق المالية في سوق العملات الأجنبية، لما لتلك التعاملات من عواقب سلبية مختلفة على المتعاملين ومخاطر عالية كونها خارج نطاق المظلة الرقابية داخل المملكة العربية السعودية. كما أصدرت هيئة السوق المالية السعودية بيان تؤكد فيه أن تداول العملات المشفرة يعد عمل غير قانوني وأن تعدين العملات لم يحظ بأي دعم أو ترخيص للأشخاص الطبيعيين و الاعتباريين.

بالتالي يتبين لنا أن العملات المشفرة لا تُعدُّ عملات معتمدة في المملكة لأنه لا يتم التداول بها من خلال أشخاص مرخص لهم في المملكة، ففي حال تعرضك لأي من المخاطر سالفة الذكر فلن تقوم أي جهة بحمايتك والنظر إلى طلباتك وأسانيدك نظراً لعدم ترخيص واعتماد العملات المشفرة داخل المملكة فغالب الجهات التي تسهل مثل هذه المعاملات غير مرخصة ومنظمة وفي حال قمت بالاستثمار فأنت تقوم بذلك على مسؤوليتك الشخصية فلا ملاذ قانوني متاح في حالة التعرض للخسارة أو الاحتيال أو غيره من ما أوردنا ذكره أعلاه.

في الختام يتبين لنا حرص المملكة العربية السعودية على حماية مواطنيها والمقيمين ممثلة في وزارة المالية والبنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية على التأكد من عدم الانخراط بشكل مباشر أو غير مباشر في أي نوع من الأنشطة المتعلقة بالعملات المشفرة والرقمية.

اترك تعليقاً