نظرة على أهم سياسات الطب الاتصالي والصحة الإلكترونية

نظرة على أهم سياسات الطب الاتصالي والصحة الإلكترونية

مع التطور التقني في جميع المجالات والتوجه إلى استخدام التقنية الحديثة في مجال الرعاية الصحية، ظهرت الرعاية الصحية عن بعد أو ما يعرف بالطب الاتصالي والذي بات يعد أحد أحدث أساليب التواصل بين المريض ومقدمي الرعاية الصحية، وبحسب الجمعية الأمريكية للطب الاتصالي فإن الخبراء يتوقعون أن يتطور استخدام التقنية في التشخيص عن بعد باستخدام الأجهزة الطبية المساعدة في التشخيص عن بعد.[1]

وبطبيعة الحال فإن اعتماد تقديم الرعاية الصحية عن بعد يتطلب وجود تشريعات خاصة لحماية حقوق المستفيدين من الرعاية الصحية ومقدميها ولتنظيم المجال بشكل عام وضمان تحقيقه لأهدافه وتطوّره.

تُلقي هذه المقالة نظرة على أهم السياسات والتعليمات والقواعد التي تنظم الطب الاتصالي في المملكة والقرارات والتعاميم الصادرة بهذا الشأن، وتستعرض إشكالات تشريعات الطب الاتصالي في العالم ومنها: إشكالات اختلاف تعريف المصطلحات في القوانين، وصعوبة الاعتماد على وسائل الطب الاتصالي في التشخيص وإشكالات الإذن الطبي ومحدودية التخصصات والترخيص لتقديم الخدمة من الخارج، وتوضح الفرق بين مفهومي “الطب الاتصالي” و “الصحة الإلكترونية”.

وبحسب اتحاد المجلس الطبي الأمريكي (Federation State Medical Boards) يعرف الطب الاتصالي بأنه “استخدام وسائل تقنية المعلومات والاتصالات الإلكترونية لتقديم الرعاية الصحية” ويشمل خدمات التشخيص والفحص والمعاينة الطبية للمريض.ويُعرف عند بعض منشآت الرعاية الصحية بـ”الرعاية الصحية عن بعد”، ويختلف الطب الاتصالي عن الصحة الإلكترونية، إذ تعرّف الصحة الإلكترونية بأنها الاستخدام المشترك لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في القطاع الصحي

ومع أنه لا يوجد نظام خاص بالطب الاتصالي في المملكة فإن “القواعد المنظمة للرعاية الصحية عن بعد (الطب الاتصالي)” الصادرة بقرار المجلس الصحي السعودي والتي تهدف إلى توفير إطار نظامي لممارسة الرعاية الصحية عن بعد (TLH) تعتبر قواعد عامة تنظم المسائل المتعلقة بالطب الاتصالي من اعتماد المنشآت والتراخيص وغيرها من المسائل المتعلقة بتقديم الخدمة.

وكانت أول إشارة إلى الرعاية الصحية عن بعد في المملكة في قرار مجلس الوزراء رقم 11 في 12/01/1434هـ بالموافقة على تنظيم المركز الوطني للمعلومات الصحية حيث أسند القرار للمركز مهمة إنشاء الشبكة الوطنية للطب الاتصالي والإشراف عليها.

وقد ظهرت الحاجة الملحّة إلى تقديم خدمات الطب الاتصالي على خلفية تداعيات جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) وما بات يمثله الذهاب إلى منشآت الرعاية الصحية لأغراض الاستشارة من خطر على بعض الفئات مع استمرار تفشي الفيروس، ولتفعيل الاستفادة من خدمات الطب الاتصالي في المملكة فقد أصدر مجلس الضمان الصحي التعاوني لكافة الشركات المؤهلة ومقدمي خدمات الرعاية الصحية المؤهلين تعميم يقضي بأن وثيقة الضمان الصحي الموحدة تغطي خدمة الطب الاتصالي[6] وحدد التعميم مدة 90 يومًا لتغطية هذه الخدمة مما يبقي تغطية هذه الخدمة مؤقتة دون قواعد أساسية لتغطيتها ضمن حزمة المنافع الخاصة بمستفيدي التأمين الصحي في المملكة.

وتختلف الصورة في الدول التي سنت تشريعات خاصة بالطب الاتصالي والصحة الإلكترونية، إذ يعتمد تنظيم الطب الاتصالي والصحة الالكترونية في الولايات المتحدة على قوانين كل ولاية ومن أبرز تلك القوانين “قانون كاليفورنيا للصحة الالكترونية” للعام 2011، ويعد “قانون الطب الاتصالي” في ماليزيا للعام 1997 أحد أقدم قوانين الطب الاتصالي في العالم.

وتظهر عدة إشكالات في تشريعات الطب الاتصالي في الولايات المتحدة التي تجعل خدمات الطب الاتصالي تقدّم في تخصصات معينة وفي أضيق الحدود، ومن إشكالات الطب الاتصالي –على سبيل الذكر لا الحصر-:

1- اختلاف المصطلحات في القوانين:

لما تشكله حداثة التشريعات في مجال الطب الاتصالي وحداثة الطب الاتصالي أيضًا فإن بعض القوانين في الولايات المتحدة –تعتمد فيها تشريعات الطب الاتصالي على قوانين الولاية – تم استخدام “الطب الاتصالي” و “الصحة الالكترونية” للإشارة إلى نفس الخدمة في بعض الولايات.

بينما ذهبت بعض الولايات إلى استخدام مقدمة Tele أمام أي من الخدمات الطبية المقدمة عن بعد، على سبيل المثال: استخدام Telesychiatry عند الإشارة إلى خدمات الرعاية الصحية النفسية عن بعد بدلًا من Psychiatry.

بينما لم تحدد بعض الولايات أي تعريف للصحة الإلكترونية أو للطب الاتصالي، ومنها ولاية ألباما.[9]

ومن هذا تتضح صعوبة معرفة المسائل الأساسية التي يجب اعتبارها عند إصدار تشريعات الطب الاتصالي، حيث تمثل الإشارة إلى مصطلحات محددة تصف التقنيات المستخدمة أهمية بالغة في هذا المجال.

2- صعوبة الاعتماد على الطب الاتصالي:

تمثل صعوبة الاعتماد على التشخيص من خلال وسائل الطب الاتصالي تحديًا أمام المشرّع في تحديد المسؤولية عن الخطأ الطبي في التشخيص تحديدًا، يثار تساؤل في عدة تشريعات عن مدى الاعتماد على التقنية الطبية المستخدمة في الطب الاتصالي لتحديد التشخيص قبل تدخل الطبيب في تقديم الاستشارة الطبية.

3- اختلاف اشتراطات الترخيص:

يتطلب تقديم خدمات الطب الاتصالي ترخيص إضافي للمنشآت المقدمة للرعاية الصحية والممارسين الصحيين، ولما للخدمات التقنية من انتشار واسع وسهولة الوصول إليها في مختلف البلدان فإن إشكالات اختلاف اشتراطات الترخيص بين الدول المختلفة تجعل المشرّع ينص على اشتراطات خاصة بتقديم الخدمة من داخل الدولة، وللحصول على خدمة مقدمة من الخارج فإنه يتطلب الحصول على ترخيص لتقديم الخدمة من الجهات الصحية المختصة في الدولة.

إذ لا تقتصر أضرار تقديم الخدمة من الخارج من قبل مزودي خدمة غير مرخصين على مسائل المسؤولية الطبية، حيث تمتد إلى اختلاف الممارسات الطبية المعتمدة بين الدول مما يجعل مستفيدي الرعاية الصحية عرضة إلى تلقي خدمات الرعاية الصحية خلافًا للممارسات الطبية المعتمدة.

4- محدودية التخصصات:

بسبب عدم قابلية معظم الإجراءات الطبية إلى التقديم عن بعد فإنه لا يتم الاعتماد على الطب الاتصالي إلا في تخصصات صحية محدودة ولتقديم خدمات محدودة تقتصر في معظم الأحيان على الاستشارة الطبية مما يقلل من اعتماد مستفيدي الرعاية الصحية على خدمات الطب الاتصالي.

5- إشكالات الإذن الطبي:

تشترط بعض التشريعات وجود إذن طبي شفهي أو موقع بخط المريض للحصول على الموافقة لتقديم خدمة الرعاية الصحية عن بعد، مع أن عدة تطبيقات مرخصة لا تقدم خدمات الصوت أو الفيديو مما يسبب إشكال وجود منصات تقدم الطب الاتصالي ولا تحقق اشتراطات الإذن الطبي بالكامل.

وعلى خلفية تداعيات جائحة كورونا (كوفيد-19) فقد أجرت عدة ولايات أمريكية تعديلات على بعض التشريعات لتمكين تقديم خدمات الطب الاتصالي كجزء من استجابتها لظروف الجائحة ومحاولة لتخفيف الضغط على منشآت الرعاية الصحية وقت الجائحة وحفاظًا على سلامة الفئات الأكثر عرضة للتأثر بعدوى الفيروس.

وبحسب المركز الوطني لمصادر سياسات الصحة الإلكترونية الأمريكي (NTRC-P) فإنه من المتوقع إصدار تشريعات خاصة بالطب الاتصالي لتنظيم هذا المجال وتطوير الخدمة بعد ظهور الحاجة لذلك بدلًا من الاعتماد على القرارات الخاصة بالجائحة.

وربما يكون الأثر الذي نتج عن جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) على الخدمات الصحية فرصة لتطوير خدمات الطب الاتصالي من خلال شموله في أحكام الأنظمة وشمول التغطية التأمينية له في الأوقات الاعتيادية، الأمر الذي يمكّن من تطوير هذا النوع من الخدمات إلى جانب بقية الخدمات الرقمية التي تميزت بها القطاعات الصحية في المملكة.

اترك تعليقاً