You are currently viewing مناهضة اللقاحات بين حرية الاعتقاد وتهديد الصحة العامة

مناهضة اللقاحات بين حرية الاعتقاد وتهديد الصحة العامة

لماذا تفرض الدول اللقاحات الإلزامية على السكان؟ ولماذا تؤيدها المنظمات الدولية في ذلك؟ ما هي صحة المزاعم بشأن انتهاكات الحكومات لحقوق الأفراد بفرضها التطعيمات الإلزامية على الأفراد؟ وهل لفرض الحكومات التطعيمات على الأفراد أساس قانوني؟ وهل الدعوات لمناهضة التطعيمات تستند على أساس علمي أو قانوني؟ أم أنها لا تعدو أن تكون آراء شخصية مبنية على معتقدات وأفكار شخصية.

في ظل التعاون الدولي والتكاتف القائم للعمل على لقاح لفيروس كورونا (كوفيد-19) والذي أسفر عن دخول الدول عدة تحالفات واتفاقيات لتطوير ودعم العمل على دراسات إنتاج اللقاح، تزداد حدة الأصوات المعارضة للقاحات عمومًا وللقاح كورونا (كوفيد-19) المُنتظر على وجه التحديد، يبرر البعض ذلك من منظور يزعم أنه علمي ويدعي أن العلم أثبت ضرر التطعيمات وارتباطها بعدة أمراض أبرزها اضطراب التوحد، والواقع أن الدراسة الوحيدة المنشورة في عام 1998 عن علاقة التوحد بلقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية “MMR Vaccine” قد سحبت من المجلة بسبب عدم تحقيق الدراسة للأسس العلمية[1] هذه الأصوات ليست جديدة فقد ظهرت عدة جماعات في الولايات المتحدة ومختلف دول العالم لمناهضة التطعيمات الإجبارية للأطفال التي يتم اشتراطها لتسجيل الأطفال في المدارس الحكومية والمدارس الخاصة ودور الإيواء والمدارس الداخلية وتأتي هذه المناهضة لأسباب فكرية إذ يدعي المعتنقون لتلك الأفكار أن التطعيمات ليست فقط سبب لمرض التوحد وإنما هي سبب لعدة أمراض وقد تم فرضها لأسباب اقتصادية وتجارية.

مؤخرًا، أقرت خمس عشرة ولاية في الولايات المتحدة استثناءات للوالدين لرفض تطعيم أبنائهم لأسباب “فكريّة’Philosophical Exemptions”إلى جانب الاستثناءات لأسباب “دينية” الموجودة سابقًا في ثماني وأربعين ولاية مراعاة لبعض الطوائف الدينية التي يرفض أفرادها التطعيم بحجة حرمته الدينية.

وبحسب دراسة أجريت عن تأثير التشريع الذي تم إقراره مؤخرًا في أركنساس “Arkansas” تبيّنَ الارتباط بين زيادة انتشار الأمراض المعدية في الولاية والتشريع الجديد الذي سمح للوالدين عدم تطعيم أبنائهم لأسباب فكرية وبناء على هذا تتبين ضرورة إعادة التوازن بين الحقوق الفردية التي كفلها الدستور وبين الصحة العامة التي يتوجب على الدولة حمايتها بموجب الدستور أيضًا.

يوضّح هذا المقال شرعية فرض الدولة على الأفراد أخذ اللقاح باعتباره أحد الإجراءات المعمول بها لحماية الصحة العامة، ويستعرض الأسانيد القانونية لوجوب أخذ اللقاحات الأساسية، ويقيّم مدى حجيّة آراء مناهضي التطعيم التي تعتبر فرض التطعيم على الأفراد مخالف للدستور باعتباره انتهاكًا للحرية الشخصية.

1- الشرعية الدستورية لفرض التطعيمات على الأفراد:

إنّ حماية الصحة العامة من واجبات الدولة المنصوص عليها في الدستور والتي يجب على الدولة كفالتها للجميع وصيانتها وحمايتها وفقًا للدستور، وتختلف الدساتير من دولة إلى أخرى لكن نصوصها تشتمل على مبادئ عامة لا يغيب عنها النص على تكفّل الدولة بالصحة العامة والأمن العام وذلك وفقًا للمعايير الواردة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والذي نصت مواده على شرعية وضع الدولة قيود على الأحكام المتعلقة بحقوق معينة، ومن الحقوق التي يجوز للدولة تقييدها حق الفرد في الحرية الذي يجوز تقييده في عدة صور لغرض حماية الصحة العامة ومنها فرض حظر التجوّل المشار إليه في المادة (12) من العهد التي سمحت بالقيود على التجول والإقامة عندما تكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وقد أشارت المبادئ العامة في العهد إلى جواز حظر التجمعات لأغراض حماية الصحة العامة، على أن تكون تلك القيود مفروضة بنص القانون.

وعن المسوغات الفكرية للامتناع عن التطعيم باعتبار ذلك الامتناع أفكار وآراء ومعتقدات شخصية يجب احترامها واعتبارها من حرية المعتقد فإن المبدأ العام وفقًا للعهد أنه “لكل إنسان الحق في حرية التعبير: ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقينها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”.

ويسري على هذا الحق من قيود ما يسري على غيره من الحقوق المذكورة أعلاه لأسباب حماية النظام العام أو الصحة العامة أو الأمن العام، أي أنه من حق الدولة تقييد الآراء والأفكار التي تمثّل تهديدًا للصحة العامة وخطرًا على صحة الأفراد بنص القانون.

وبعيدا عن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وفي نظرة على الصحة العامة في الفقه الدستوري، في مقالها Public Health and Constitution Law: Recognizing the relationship تحاول ويندي بارمت تقديم تفسير لأسباب اهتمام المحامين وفقهاء القانون بالصحة العامة من منظور القانون الدستوري في ثلاثة فرضيات:

‌أ- شكّلت الصحة العامة مفهومًا مهمًا في تطور الفقه الدستوري لأسباب لا يمكن حصرها حيث ساعد النص على أهمية الصحة العامة في الدستور في فهم القضايا الحساسة في الفقه الدستوري.

‌ب- كثرة مشكلات الصحة العامة في قضايا القانون الدستوري وتكرارها، إذ تساعد تلك القضايا في تقييم العلاقة بين غايات الدولة في الدستور ووسائل تطبيقها لتلك الغايات.

‌ج- تقدم الصحة العامة منظورًا عامًا حول ارتباط المخاطر بين الدولة والأفراد والذي يقدم تفسيرًا للعلاقة بين الدولة والأفراد من حيث مشاركة الخطر.[4]

وترجع أهمية الصحة العامة في الدستور أنه في عهد صياغة الدستور كانت الأوبئة تفتك بالسكّان[5]، هذا وقد كان تضمين الدستور لعلاقة الدولة بالصحة العامة من التزامات الدولة الضرورية وفقًا لنظرية العقد الاجتماعي (Peace, safety, and Publick good of the people).]

2- وجوب أخذ اللقاحات الأساسية في القانون:

تفرض الدول التطعيمات الأساسية للأطفال وتربطها بالقبول في المدارس العامة والخاصة وتضع تشريعات تجرم الامتناع عن التطعيم تضمّنها بعض الدول في قوانين الصحة العامة كما في الولايات المتحدة، وبعضها في قوانين حماية الطفل كما في المملكة العربية السعودية فإن نظام حماية الطفل السعودي الصادر في عام 1436هـ اعتبر عدم تطعيم الطفل تطعيماته الأساسية المحددة من الجهات الصحية المختصة من صور الإيذاء المنصوص عليها في المادة الثالثة “عدم استكمال تطعيماته الصحية الواجبة”]، وجاءت اللائحة التنفيذية بتفصيل لمسؤولية الوالد أو الحاضن في تطعيم الطفل وعن وجود الملف الصحي الذي تقره الجهات الصحية لكل طفل والفحص الدوري المقر من الجهات الصحية على الأطفال الملتحقين بالمدارس خلال مراحل التعليم العام ” يجب تحصين الطفل بالتطعيمات الواقية من الأمراض والواجب خضوع الطفل لها وفق ما تقرره الجهات الصحية ذات العلاقة وبحسب المواعيد والمدد المقررة في هذا الشأن، ويقع واجب تقديم الطفل للتطعيم على عاتق والده أو الشخص الذي يكون الطفل في حضانته أو رعايته، وتلتزم الجهات الصحية المسؤولة باستحداث ملف لكل طفل يدون فيه التطعيمات الواجبة وما يطرأ على صحته من تطور، وتقوم الصحة المدرسية أو الجهة الصحية التي تقوم مقامها بإجراء الفحص الدوري على الأطفال الملتحقين بالمدارس خلال مراحل التعليم قبل الجامعي على أن يتم هذا الفحص مرة كل سنة على الأقل”.[8]

يتضح من الدراسة المذكورة أعلاه أن تساهل السلطات في موضوع التطعيمات ومنح الوالدين أو من يكون الطفل تحت ولايتهم حق عدم التطعيم لأي أسباب دينية كانت أو غير دينية يزيد من فرص انتشار الأوبئة والأمراض المعدية التي كان للقاحات الدور الأبرز في حماية المجتمع منها، وبناء على تحليل فكرة الشرعية الدستورية لفرض التطعيمات فإن دعوات مناهضي التطعيم وتذرعهم بحقهم في حرية المعتقد ليست فكرة ذات أساس قانوني، إذ أن حماية الصحة العامة من واجبات الدولة المنصوص عليها في الدستور ولا صحة لفكرة عدم شرعية تدخل الدولة في حماية الصحة العامة.

اترك تعليقاً