You are currently viewing ما بعد الحوكمة!

ما بعد الحوكمة!

إن العالم اليوم يتغير من حولنا بسرعة كبيرة وتمكين علم الحوكمة يحتاج إلى أسلوب عمل فعال يجتاز العقبات ويستنزف جميع الطاقات فليس من المقبول استمرار أنغام الأعذار والتبريرات وتقاذف المسؤوليات فالمعادلة اليوم لا تحتمل حلولاً مُجتزأة بل القيمة الصحيحة باتت واضحة وهي إضفاء مبادئ الحوكمة.

إن عظمة الحوكمة وأهميتها ظهرت مع الأزمات والانتكاسات التي عرفتها الأنظمة المختلفة لاسيما بعد سلسة من الأزمات المالية التي عرفتها الأنظمة الرأسمالية في الولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا من القرن الماضي، وتراجع مستوى الثقة في المحاسبين والمراجعين، فقد تعاظم الاهتمام بالحوكمة في العديد من الاقتصادات الحديثة والمتقدمة لتأتي بدور الدَّواء لمعالجة ضعف الرقابة، ومعالجة الفوضى والعبث والحد من هيمنة وانحلال العالمون ببواطن الأمور(المُستفيدون من المعلومات الداخلية) وتقييد الصلاحيات اللامتناهية وعزل تداخل الاختصاصات فالحوكمة ترياق يٌدفع به الفساد وتضمن النزاهة.

لفظ الحوكمة حديث نسبياً في اللغة العربية ترجمةً للكلمة الإنجليزية (GOVERNANCE) فالحوكمة في رحلتها انتقلت من السياسة إلى الاقتصاد لترتبط بالشركات ومن ثم تتشعب في كافة المجالات وقد تعددت تعريفات الحوكمة بحسب وجهة النظر المتبناة فتعرف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD  بأنها: مجموعة من العلاقات فيما بين القائمين على إدارة الشركة ومجلس الإدارة وحملة الأسهم وغيرهم من المساهمين. وعرفت مؤسسة التمويل الدولية IFC بأنها: النظام الذي يتم من خلاله إدارة الشركات والتحكم في أعمالها.

فما الفرق الذي أحدثته الحوكمة وما دورها؟ إن التاريخ حافل بالأمثلة على المجتمعات التي قامت بتحسين القواعد والمؤسسات والإجراءات مما أدى إلى بلوغ أهدافها الإنمائية، فإن وضع الحوكمة في مقدمة وصميم النقاش المتعلق بالتنمية ضرورياً للتأكد من تحقيق نمو اقتصادي مستدام وخلق مجتمعات أكثر إنصافاً وسلاماً. فمن خلال الحوكمة يمكن مراقبة الكثير من الأعمال والتي ستجعلها ذات جودة عالية بإحداث رقابة ذاتية تجعل من الجميع يعملون بكفاءة وشفافية فمن خلالها يتم تحقيق الوضوح والشفافية والرقابة والنزاهة والمساواة، فالعديد من المشاكل والانحلالات الأخلاقية والإدارية التي تسببت في إفلاس العديد من المؤسسات المالية حول العالم كانت بسبب غياب الحوكمة، ولعلنا نذكر في هذا الصدد شركة إنرون للطاقة الأمريكية والتي انهارت بالكامل وأشهرت إفلاسها في عام 2001 وتم تسريح ما يزيد عن خمسة ألاف موظفاً بعد أن كانت من كٌبرى الشركات إلا أن غياب الحوكمة آنذاك أتاح الفرصة للتلاعب بأرباح وخسائر الشركة مما أحدث عدم استقرار في الأسواق المالية وازدياد حجم المخاطر تجاه النظام الاقتصادي وتعرض الاستثمارات للخسائر بسبب سوء استخدام السلطة في غير مصلحة المستثمرين، فالحوكمة تعزز ثقة جميع المتعاملين معها وترفع مستوى الشفافية وتجذب الاستثمارات من الخارج والداخل وتعالج مشكلة تعارض المصالح التي تضم مجموعة كبيرة من المشاكل الفرعية في جُعبتها بين عدة أطراف من داخل وخارج المنظومة. للحوكمة دور فعال في ضم مجموعة من المبادئ الأخلاقية وقواعد السلوك التي توجب على الإدارة العليا الالتزام بها، على سبيل المثال تضمنت المبادئ الرئيسية الثلاث لحوكمة الشركات في تقرير سير أدريان كابودري (أول من وضع تعريف للحوكمة المؤسسية) المُعتمده من مجلس العموم البريطاني مبدأ أخلاقي هام وهو “النزاهة” والذي تضمنته أهداف لائحة حوكمة الشركات الصادرة من هيئة السوق المالية في المملكة العربية السعودية، فالحوكمة تعمل على ترابط هيكلي طويل الآمد وتحقق النمو الاقتصادي وتحفز رأس المال البشري وتحقق التنمية المستدامة، فللحوكمة عدة أدوات تعمل من خلالها وهي الصيانة والتنمية والتعزيز والتثقيف والتطوير والتوعية والترسيخ، إن إجراءات الحوكمة تضبط العمل وتضمن الوقاية من وقوع الفساد في مختلف المؤسسات بتشريع وترسيخ مجموعة من المبادئ واللوائح والتنظيمات على الصعيد المحلي والدولي فقد قامت عشرات الدول بتبني تقرير مارفن كينغ عن الحوكمة الذي احتوى على سبعة عشر مبدأ للحوكمة ومائتان وثمانية من الممارسات الموصى بها. فالحوكمة تتبنى عدة أهداف ودوافع وذلك بتطبيق العدالة وإرساء مبدأ النزاهة في العمل والمشاركة والمساواة والمساءلة وسيادة القانون ومحاربة الفساد من خلال مفتاح الحوكمة وهو الشفافية والإفصاح من قبل أعضاء المجلس واللجان بإظهار ما يدور خلف الستار وإطلاق المعلومات النوعية والكمية والوثائق للعلن مما يتيح لأصحاب المصالح المتأثرين الفرصة والحق بالمشاركة والمناقشة قبل إصدار القرارات والحق في توضيح حجم المصروفات والإيرادات ونشر التقارير المالية والعديد من الأمور الأخرى فكل ذلك يصطدم بعائق كبير يحول دون تحقق هذه الغاية باعتبار هذه البيانات والمعلومات (سرية وخاصة) كأصل عام، والحصول عليها من قبيل الاستثناء؛ وذلك نتيجة البيروقراطية وتعقد الإجراءات وضعف السياسات، وبظهور الحوكمة أصبحت العلانية هي الأصل باعتبارها وسيلة تضييق المجال أمام الرغبة أو القدرة على استغلال النفوذ، وللإفصاح دور بتوفير بيئة ملائمة بأعلى معايير الوضوح والالتزام بالكشف الدوري عن المعلومات الجوهرية التي تهم الأطراف ذوي العلاقة والمصالح.

لقد أولت رؤية المملكة 2030 أهمية خاصة لإطار الحوكمة وموضوعاته بإرساء نظام حوكمة متكامل لتحقيق الرؤية بتحديد الأدوار والمسؤوليات وتفعيل الرقابة وتحقيق مبادئ النزاهة والشفافية والإفصاح والمساءلة والمحاسبة ووضع آليات لحل الإشكالات التي تواجه التنفيذ وبذلك يعد من مرتكزات الرؤية تأسيس أرض صلبة لتمكين مبادئ الحوكمة مما ساهم على استثمار الفرص المتاحة وتوليد الجديد منها؛ وعزز من التنافسية الاقتصادية وحفز النمو والثقة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

ويبقى القول في الأخير وإذ وصلنا إلى محطة الختام لا يمكن أن يتسع المقام لاستعراض الصورة الكلية لتطبيقات الحوكمة وفعاليتها، لكن الرسالة الرئيسية ألا وهي نشر الوعي بأهمية الحوكمة وأنها ضرورة قصوى لأي تنمية جادة ومطلب للاستقرار الاقتصادي وجاذب للاستثمارات المحلية والأجنبية، تؤدي إلى تراجع الفساد، وتطوير القطاعين العام والخاص، فمضاعفة الجهود نحو الحوكمة سيحل تلقائياً العديد من إشكالياتنا المزمنة.

اترك تعليقاً