You are currently viewing قراءة في تفسير إحداث وترتيب المصالح العامة

قراءة في تفسير إحداث وترتيب المصالح العامة

قراءة في تفسير الفقرة (2) من المادة (24) من نظام مجلس الوزراء السعودي الصادر بالأمر الملكي رقم أ/3 في 3/3/ 1414ه في مقابل مبدأ عقلنة النظام البرلماني الفرنسي الناشئ انطلاقاً من دستور عام 1958 م.

 

“لا يصح أن يخالف نظام أدنى نظاما أعلى منه”.

تمثل القاعدة أعلاه تجسيداً لمبدأ تدرج القاعدة القانونية أو ما يسمى بالهرم التشريعي والذي ينص على ترتيب القواعد القانونية أو الأدوات التشريعية من الأعلى إلى الأدنى وفقاً لقوتها والجهة المنوط بها إصدارها مع ضرورة الالتزام – عند التطبيق – بهذا الترتيب.

وتطبيقاً لهذا المبدأ في المملكة، فقد نصت المادة السبعون من النظام الأساسي للحكم على أن “تصدر الأنظمة، والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، والامتيازات، ويتم تعديلها بموجب مراسيم ملكية” وينبغي الإشارة هنا إلى أن النظام المقصود في هذه المادة لا يشمل أنظمة الحكم (الأنظمة الأساسية) “النظام الأساسي للحكم، نظام مجلس الوزراء، نظام، مجلس الشورى، نظام هيئة البيعة”.

بدايةً أود إلقاء نظرة سريعة على الأدوات القانونية في المملكة مع التأكيد على أن هذه الأدوات لم تعرّف في نص نظام وإنما تمت صياغة تعريفاتها بناء على العرف الدستوري في المملكة.

1الأمر الملكي: هو وثيقة رسمية مكتوبة تفصح عن إرادة الملك المباشرة والمنفردة، ويعتبر أقوى وأعلى الأدوات التنظيمية في المملكة، وتصدر الأوامر الملكية بصيغة محددة تحمل توقيع الملك بصفته رئيساً للدولة وليس باعتباره رئيساً لمجلس الوزراء فقط، ويكون ذلك في مواضيع لم تُعرض على مجلسي الوزراء والشورى، ومن أمثلة ذلك تعيين أمراء المناطق والوزراء والقضاة، وإصدار الأنظمة الأساسية كنظام هيئة البيعة وغيرها، ويعد الأمر الملكي أقوى الأدوات القانونية.

2- الأمر السامي: وثيقة مكتوبة ليس له شكل محدد أو صيغة محددة، تحمل توقيع الملك بصفته رئيساً لمجلس الوزراء، وقد يصدر من النائب الأول أو النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء حال رئاسة أي منهما المجلس، وغالباً ما يتعلق الأمر السامي بما يحقق مصالح المواطنين، ولعلنا نذكر –في سياق تحقيق مصالح المواطنين- الأمر السامي الكريم رقم (905) وتاريخ 6/1/1439ه القاضي باعتماد تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية بما فيها إصدار رخص القيادة على الذكور والإناث على حد سواء.

3المرسوم الملكي: هو وثيقة رسمية مكتوبة بشكل محدد تعبر عن إرادة الملك بالموافقة على موضوع سبق أن عُرض على مجلس الوزراء ومجلس الشورى، واتخذ كل منهما قراراً حيال ذلك الموضوع، ويحمل المرسوم الملكي توقيع الملك بوصفه رئيسا لمجلس الوزراء، ومعظم المراسيم تكون بالموافقة على مشروع نظام أو قانون أو اتفاقيات ومعاهدات دولية تستلزم موافقة الملك، لتصبح نافذة ورسمية.

4التوجيه الملكي: هو توجيه من الملك يُصدره شفهياً أو تحريرياً بصفته رئيساً للدولة لمتابعة أمر معين، وليس له شكل محدد، ويتم تبليغه للجهة المختصة كتابةً عن طريق الديوان الملكي، لمتابعة مثلاً أمور المواطنين وأنشطة الأجهزة الإدارية بالدولة.

5قرارات مجلس الوزراء: هي قرارات مكتوبة تعبر عن إرادة مجلس الوزراء، تحمل توقيع رئيس المجلس أو نائبه الأول أو الثاني بوصفهم نواباً لرئيس مجلس الوزراء، وتعتبر من أهم القرارات حيث إنها تصدر بشكل مستمر وتمس الحياة اليومية، وتتسم بأن لها صيغة تشريعية وتنظيمية وتنفيذية، وتصدر هذه القرارات بعد الاجتماع الأسبوعي للمجلس.

ما يهمنا من تعريف الأدوات هو ليس فقط المقارنة بين المرسوم الملكي وقرار مجلس الوزراء، لأن كليهما له الصيغة التشريعية بالتالي من المتصور أن يتم إصدار القوانين بهاتين الأداتين، الفارق الجوهري بينهما هو أن المراسيم الملكية تصدر بعد عرضها على مجلس الوزراء ومجلس الشورى، ونقطة النقاش هي ما قضت به المادة السبعون من النظام الأساسي للحكم على أن “تصدر الأنظمة، والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، والامتيازات، ويتم تعديلها بموجب مراسيم ملكية”.

بالنظر إلى الواقع من الملاحظ أن هناك أحكاماً نظامية صادرة بمراسيم ملكية ألغيت أو تم تعديلها بناء على قرارات مجلس الوزراء، فهل ينسخ قرار مجلس الوزراء ما تم إقراره بمرسوم ملكي؟

في العرف القانوني في العصر الحديث وبعد أن ساد العالم مبدأ فصل السلطات، لا يتصور الباحثين اختصاص الحكومة بالتشريع إلا فيما يخص التشريع الفرعي أو اللائحي، لكنني لا أستطيع الاكتفاء بتفسير الفقرة (2) من المادة (24) من نظام مجلس الوزراء الصادر بالمرسوم الملكي رقم أ/3 في 3/3/1414ه  والتي نصت على اختصاص المجلس –تنفيذياً- بـ”إحداث وترتيب المصالح العامة” ، حيث أن الفكرة التي تلمع في ذهني عندما أقرأ ديباجة قرار مجلس الوزراء عندما يكون ملغي أو معدل لأحكام صدرت بمراسيم ملكية هي “مبدأ عقلنة النظام البرلماني”[1]” rationaliser le régime parlementaire ”  الذي انبثق عنه اختصاص الحكومة الأصيل بالتشريعات في بعض المواضيع، وحق الحكومة في طلب سلطة التشريع ككل من البرلمان الأمر الذي يجعل الحكومة صاحبة الاختصاص العام في التشريع، وهي الفكرة التي أود طرحها ومناقشتها في هذه المقالة هي فكرة الاختصاص الأصيل للحكومة في التشريع في مواضيع محددة، وهو ما سمي في فرنسا بمبدأ عقلنة البرلمانات، كيف يتم تطبيق هذا المبدأ أو الأفكار المنبثقة عنه في الواقع العملي في المملكة العربية السعودية؟

للإجابة عن التساؤل أعلاه، بدايةً نلقي نظرة موجزة على الأدوات القانونية في المملكة، ومن ثم عن الواقع العملي في إلغاء الأحكام الصادرة بمراسيم ملكية بناء على قرارات المجلس وما هو أساس هذه الفكرة؟ إن سلّمنا بأن أساس هذه الفكرة هو مبدأ عقلنة البرلمانات الذي يمنح الحكومة سلطة التشريع فيما يتعلق بمهامها ومسؤولياتها.

إن الظروف السياسية التاريخية التي مرت بها فرنسا في عهد الجمهوريتين الثالثة والرابعة أبرزت ضرورة تقييد النشاط البرلماني والحد منه وضرورة مساهمة السلطة التنفيذية فيه بما يضمن الاستقرار السياسي للدولة، ذلك المبدأ الذي ظهر في حكومة مختلفة وتحت تأثير ظروف مختلفة كان يراد به الاستقرار الحكومي من خلال إقامة التوازن بين الحكومة والبرلمان وقد أقر المبدأ حزمة من الامتيازات للحكومة من بينها اعتبار الحكومة صاحبة الاختصاص العام في التشريع، فيما بعد أصبحت الحكومة في فرنسا تتمسك بهذا المبدأ بسبب تمكّن الحكومة من القيام بالمصالح العامة بديناميكية وتنسيق عالي السبب الذي تظهر أهميته في كثير من المصالح العامة التي لا تقبل التأجيل الذي يحدث من طول مدة دراسة البرلمان للقوانين، مع التذكير بأن الحكومة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في التشريع “الفرعي أو اللائحي” لا “التشريع الأساسي” هذا الامتياز الممنوح للحكومة في التشريع هو ما تم تطبيقه في المملكة الأمر الذي يتضح شرحه من خلال دور الأدوات القانونية في الواقع العملي حيث يمكن لقرار مجلس الوزراء إلغاء الأحكام الصادرة بمرسوم ملكي المتعلقة بالأدوار التنظيمية للوزارات والهيئات والكيانات والجهات الحكومية الأخرى.[2]

وعلى سبيل الذكر لا الحصر ولاستزادة القارئ الكريم أود ذكر إحدى الحالات التي ألغى فيها قرار مجلس الوزراء نظام صادر بمرسوم ملكي:

قرار مجلس الوزراء رقم 213 بتاريخ 11 / 7 / 1432 بالموافقة على تنظيم هيئة الهلال الأحمر السعودي، والذي ألغى في المادة السادسة والعشرون من التنظيم النظام الأساسي لجمعية الهلال الأحمر بنصّه “يحل هذا التنظيم محل النظام الأساسي لجمعية الهلال الأحمر، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/14) وتاريخ 12 /4 /1386هـ، ويلغي كل ما يتعارض معه من أحكام”.

وكثيرة هي الحالات التي عدل فيها قرار مجلس الوزراء أحكام صادرة بمراسيم ملكية ومنها ما صدر مؤخرًا هذا العام (1442ه)، على سبيل الذكر لا الحصر:

  • قرار رقم (57) وتاريخ 20/1/1442ه:

“أولاً: تعديل المادة الأولى من نظام الهيئة السعودية للمهندسين الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/36 بتاريخ 26 / 9 / 1423ه”.

“ثانيًا: تعديل نظام المقيمين المعتمدين الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/43 بتاريخ 9/7/1423ه”.

جدير بالذكر أن البنود المتبقية من القرار قضت بتعديل تنظيمات صادرة بقرارات مجلس الوزراء.

  • قرار مجلس الوزراء رقم 5/2/1442ه القاضي في البند “ثالثا” بتعديل الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/2 وتاريخ 9/1/1436ه.
  • قرار رقم (228) وتاريخ 9/4/1442ه القاضي بتعديل المادة السادسة والأربعين من نظام الطيران المدني.

يتضح من خلال قراءة قرارات مجلس الوزراء التي قضت بتعديل أحكاماً صادرة بمراسيم ملكية، كانت تلك الأحكام متعلقة بالأدوار والمسؤوليات للجهات والكيانات الحكومية، أي يتعلق باختصاص الحكومة الأصيل في إصدار التشريع الفرعي أو اللائحي المتعلق بتنفيذ الحكومة للقانون، ولكن التساؤل المتبقي هو “هل يأخذ النظام السعودي بمبدأ عقلنة البرلمانات الذي يمنح الحكومة الاختصاص العام في التشريع، نتيجة لتسارع وتيرة النمو والتطور في البيئة التشريعية في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي انعكس في إعلان سمو ولي العهد عن استمرار عملية تطوير المنظومة التشريعية وصدور عدد من التشريعات تباعًا هذا العام؟”

 

[1]  ابتسام العقون: مبدأ سیادة البرلمان في التشريع الجزائري، مذكرة ماجستير في القانون الدستوري، كلیة الحقوق، جامعة الحاج لخضر باتنة، 2015،2014، ص 33،32.

[2] أ. د. أيوب بن منصور الجربوع: بحث بعنوان “إلغاء الأنظمة في المملكة العربية السعودية دراسة تحليلية للأحكام النظامية في ضوء قضاء ديوان المظالم، مجلة الإدارة العامة، المجلد الستون، العدد الثاني، ربيع الآخر 1441ه، ديسمبر 2019م.

هذا المقال له تعليق واحد

  1. Aa

    مع احترامي لرأيك الكريم. اختلف معك في مسألتين:
    ١) مجلس الوزراء ليس السلطة التنفيذية في المملكة بي هو جزء اصيل من السلطة التنظيمية ( التشريعية) م ٦٧ نظام اساسي للحكم م١٧ من نظام مجلس الشورى والمادة ٢٠ من نظام مجلس الوزراء. وتعديل اختصاصات الجهات وفقا لتفسير المجلس وهيئة الخبراء حق خاص للمجلس وفق المادة ١٩ من نظام مجلس الوزارء.
    ٢) ضرورة دخول السلطة التنفيذية لعمل توازن بين السلطتين. فنظام الضوابط والموازنات بين السلطات الثلاث المعمول به في الولايات المتحدة واستراليا مثلا يلغي الحاجة لمثل هذا التشريع من السلطة التنفيذية. وتفصيل شرح النظام وفوائدة لا يمكن حصره بتعليق

اترك رداً على Aa إلغاء الرد