You are currently viewing فيروس كورونا و عقود العمل

فيروس كورونا و عقود العمل

في مارس 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا الجديد المسمى ب “كوفيد ١٩” وبــــــاءًا عالميًا بعد انتشار الفيروس في العديد من دول العالم. وصل الفيروس إلى المملكة العربية السعـودية، و بدأ في الانتشار بين مختلف المدن، ولكن المملكة كانت في مقدمة الدول التي شرعت باتخاذ العـديد من التدابير و الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار هذا الفيروس قبل أن ينتشر انتشارًا واسعًا كما حدث فــي دول أخرى. من هذه الإجراءات على سبيل المثــــال: تعليق الحضور لمقــرات العمــل في جميع الجهــــات الحكومية و القطاع الخاص، والتي أثرت تأثيرًا سلبيًا على العديد من الأعمـــال، ممـــــا أدى إلى تعطيل سير العديد منها و التأثير على الموظفين تباعًا.

طرحت هذه الأزمة تساؤلًا حول قدرة صاحب العمل عن الوفاء بالتزامــــاته التعاقديـــة مع الموظفيـــن نتيجـةً لهذه الظــــروف. ماهي المخـــاوف القانونية التي تواجــه أصحاب الأعمال؟ هل سيستطيع أصحاب العمل مواصلة أعمالهم؟ ماهي مخاوف الموظفين في تلك الأعمال؟ هل وفاء أصحاب الأعمــال بهذه الالتزامات التعاقدية مرهقًا؟ مستحيلًا أم ممكنًا؟ هل طرحت الدولة حلولًا لتنظيم العلاقة بين طرفي العلاقة العمالية في ظل جائحة كورونا؟

يصبــــح عقد العمل ملزمًا بمجرد ارتباط إيجاب الطرف الأول بقبول الطرف الثاني، متى ما توافرت في هذا العقــــد أركانه المستوفية شروط صحتها، عندئذ يصبح التعاقد نافذاً وتترتب عليه آثاره، بحيث لا يصبح باستطاعـة أحــد طرفيـــه الرجـــــوع عـــنه بإرادتـــه المنفــــردة، ويجــب عليهما عندئذ الوفاء بالالتزامات الاقتصادية المترتبة عليه، و ليس لأحد الطرفين أن يغير في العقد بدون اتفــاق بينهمــــا، علمًا أن عـــدم الوفاء بالالتزامات يُعد خرقًا لهذا العقد.

هـــــل يمكـن أن يعتد بنظرية الظروف الطارئة أو نظرية القوة القاهرة للتنصل من الالتزام التعاقدي بين الأطــــــراف؟ ما مدى اعتبار فيروس كورونا الجديد حالة طارئة أو قوة قاهرة؟ هل توجد نصوص مفصلة لهذه الحالات في النظام السعودي؟

إن الحالات التي سيتم ذكرها هي توضيح لمعنى الظروف الطارئة و القوة القاهرة:

الحالة الأولى هي التي يتم فيها تطبيق (نظرية الظروف الطارئة)، و يكــــون ذلك في الحــــالات التي يـــكون فيها تنفيذ الالتزام مرهِقاً لصاحب العمل و عسيـــرًا عليه، و يكـــــون ذلك أيضًا إذا لحق بصاحب العــــمل خســــارة فــادحة لم تكن لتلحق به إلا لوقوع هذا الحادث الاستثنائي، أما إذا كانت الخسارة التي لحقت به في الــحد المتعــــارف عليه، أو كــــانت هذه الخسارة ليست ناتجة عن الحادث الاستثنائي فليس من حق صاحب العمل المطالبة بتطبيق نظرية الحوادث الطارئة.

أمــــا الحـــالة الثانية هي الــــتي يتم فيها تطبيق (نظرية القوة القاهرة)، ويكون ذلك في الحالات التي يعجز فيها صاحــــب العمــــل عن الوفاء بالتزاماته التعاقدية تمامًا، و يكون وفاءه بهذه الالتزامات مستحيلًا. إن نظام العمل العمل السعودي نص على اعتبار القوة القاهرة في حال وجودها سببًا من أسبـاب انتهاء عقد العمل، و لكنه لم يوضح معيار القوة القاهرة التي يمكن أن يتم فيها إنهاء العقد، و لم يوضح أيضًا آلية و طريقة إنهاء العقد في هذه الحالة.

و كــما ذكرت أعلاه، لا يوجد في النظام السعودي نصوص تفصيلية تتناول أحكام الظــــروف الطارئــــة أو القـوة القاهرة، ولكن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أصدرت قراراً لتنظيم العلاقة التعاقدية بيــــن صـــاحب العمــــل و العامــــل، وذلك انطلاقًا من دعـم جهود حكومة المملكة في السيطرة على تداعيات فيروس كورونا الجديد، حيث قامت الوزارة بتقييد قرار استخدام القوة القاهرة كــمبرر للفصل، و الواردة في الفقرة 5 من المادة 74 من نظام العمل، حيــــث ألــــزم صاحب العمــــل قبل استـــخدامها بالاتفـــــاق مع الـــعامل على 3 خيارات، و هي الاتفاق على تخفيض أجر العامل بما يتناسب مع عدد ساعات العمـــل الفعلية، أو الاتفاق على استخدام رصيد الإجازات المستحقة بأجر، أو الاتفاق على استخدام الإجازة بـــدون أجر بما لا يزيد عن عشرين يومًا في الشهر، ولا يكون إنهاء عقد العمل بعد ذلك مشروعاً إذا ثبت أن صـاحب العمل قد انتفع بأي إعانة من الدولة لمواجهة تلك الحالة، إضافةً إلى احتفاظ العامل بحقه في إنهــــاء عقد العمل، و تم تقييد هذا القرار لفترة 6 أشهر منذ بدء إعلان الدولة الإجراءات الاحترازية. إن هذا القرار هو امتداد لمبادرات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في تنظيم سوق العمل والتخفيف مــــــن الآثــــــار الاقتصـادية على القطاع الخاص، وتحقيق مصلحة طرفي العلاقة العمالية في ظل جائحة فايروس كورونا الجديد.

كــــما يجــــب التنــويه على أن المحاكم العمالية هي الجهة المختصة في حال لجأ صاحب العمل للقوة القــاهرة و قام العامل بالاعتراض على ذلك، و عند ئذ يجب على صاحب العمل إثبات التزامه بالقرار أعلاه، و إثبـــــات عرض الخيارات المحددة في القرار على العاملين و رفضهم قبل أي فصل بمبرر القوة القاهرة. إن وزارة المـــــــوارد البشـــرية و التنمية الاجتماعية قامت أيضًا بطرح العديد من المبادرات للتخفيف من الآثار الاقتصادية و المالية على القطاع الخاص، و التي أنصح أصحاب العمل بمتابعة مواعيد التسجيل في هذه المبادرات و الحرص على الاستفادة منها.

فــي الختــــام، إنه لا يمكننــــا الجـــــزم بانطباق أي من الحـــــالات أعلاه بخصوص هذه الجائحة على جميع المنشآت، و لكن في حال تعطل سير العمل، فإن الحلول الودية الاتفاقية بين صـاحب العمل والعامــــل هي الحـــــل الأمـــــــثل والأسلم الذي يحمي كلا الطرفين من المخاطر القانونية، و مثلما ذكرت انفا، رضا الطرفان عن الحلول و القرارات التي سوف يتم اتخاذها مطلب مهم.

اترك تعليقاً