You are currently viewing حقوق الإنسان والجائحات

حقوق الإنسان والجائحات

منذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020 أن تفشي مرض “كوفيد19” قد بلغ مستوى الجائحة، وأنه قد أضحى وباءً عالمياً، تبع ذلك حث للحكومات على اتخاذ إجراءات صارمة لوقف انتشار الفايروس حفاظاً على سلامة الانسان وصحته.

وبعد توالي اعترافات دول العالم بوجود جائحة تتطلب إغلاق قسري لأغلب الأنشطة وفرض قيود على حرية التجول ظهرت ادعاءات متوالية تحمل صوتاً ينادي بالكف عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان الأساسية والتي حملها الإعلان العالمي لحقوق الانسان في العاشر من ديسمبر من عام 1948م ليكون المستوى المشترك الذي ينبغي لكل الأمم والشعوب استهدافه في مواضيع حقوق الانسان وحرياته.

فلمّا عمدت غالبية الدول إلى الإغلاق الجزئي، وبعضها إلى فرض حظر تجول كلي، كما أن فرض ” الحجر الصحي ” في بعض الدول كان لأوقات طويلة دون مبررات كافية في بدايات الانتشار، نددت منظمة “Human Rights Watch” القيام بإجراءات تسببت بضعف الوعي عن مخاطر الإصابة، كما أن عدم الشفافية في الإحصاءات كان مثار تنديد كذلك، فكانت الانتقادات المتوالية الصادرة من المنظمة انعكاساً لمخاوف المهتمين بحقوق الانسان المتعلقة بالتزام الدول بالمبادئ التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الانسان.

إن الإجراءات التي هوجمت لتسببها بانتهاك جسيم لتلك الحقوق، تستند على كون الحكومات “ملزمة باتخاذ التدابير الفعالة للوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية والأمراض الأخرى وعلاجها ومكافحتها ” ولـ”حق التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية يمكن بلوغه” والذي صادقت عليه أغلب الدول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وبالنظر للحقوق الأساسية المُدعى انتهاكها منذ اعلان الجائحة وباءً عالمياً، كان الحق في حرية التنقل موضوعاً لأكثر المخاوف، فقد كرّسته المادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الانسان ” لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة، ويحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه”  وإن بداهة هذا الحق وأهميته تستدعي التذكير بأن إعلانه هنا لم يكن بلا خلفية تاريخية، فالحق في حرية التنقل من أقدم الحقوق وتم تقنينه لسنوات طويلة في الكثير من المواثيق التاريخية، فلم تكن بدايات تقنينه في القرن العشرين مع تشكيل وبناء المنظمات الدولية بشكلها الحالي، فالإمبراطوريات والدول القديمة عرفت هذا الحق في عهودها  منذ أزمنة سحيقة، فحرية الحركة ” freedom of movement  ” في إنجلترا تم تكريسها عام 1215 في المادة 42 من ” الماجنا كارتا” وهي الميثاق الأعظم للحريات في إنجلترا، ” يجوز لأي شخص، في المستقبل، الخروج من مملكتنا والعودة بأمان، عن طريق البر أو الماء، وحفظ ولاءه لنا، مالم يكن ذلك في وقت الحرب، لبعض الوقت، فضاء للصالح العام للمملكة، باستثناء الأسرى والخارجين عن القانون، حسب قوانين الأرض، وشعب الأمة المحاربين ضدنا، والتجار الذين سيعاملون كما قيل أعلاه” ، وفي الإمبراطورية الرومانية القديمة، حرية الحركة كانت على شكل إجراء تم وضعه من قبل جوزيف الثاني في عام 1781 .

إن القيود المفروضة على حرية التنقل مُستنِدة على أساس قانوني يبرر الإجراءات المقيدة لحقوق الانسان في عدة ظروف، فالمادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تعتبر الحفاظ على الصحة العامة من مبررات تلك القيود ” لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وتكون متمشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا الحق “.

كما أن العديد من الحقوق الأساسية باتت محل تهديد، فالحق في الخصوصية والذي كرّسه الإعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة (12) ” لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات” أصبح محل انتهاك مع حاجة الحكومات لمعلومات شخصية لمجابهة الوباء، فخصوصية المعلومات ترفاً في وقت أصبحت فيه معلومات الانسان الشخصية ذات قيمة مؤثرة حتى في إصدار التشريعات وإلغائها.

إن تعطيل بعض الحقوق لبعض الوقت، حفاظاً على بقية الحقوق لكل الوقت، مبدأ تم الأخذ به بشكل متكرر خلال الطوارئ والأزمات منذ بدء إعلانات وتوقيع اتفاقيات حقوق الانسان وقبل ذلك، فالأخذ بأخف الضررين مبدأ موجود في غالبية التشريعات بصيغ مختلفة، إلا أن المخاوف المتعلقة بانتهاك حقوق الانسان وحرياته الشخصية ناتجة عن عدم الثقة في رسوخ الايمان بحقوق الانسان الأساسية لدى الشعوب، مما يجعل طول فترة اعلان الطوارئ مبرراً لانتهاك المزيد من الحقوق وفرض إجراءات غير متناسبة مع مدى خطورة الوضع.

إن حالات الطوارئ خلال العقود القادمة وحسب التنبؤات، لن تكون نادرة، فحسب قول بعض العلماء بأن الأمراض المعدية ستستمر في الظهور، وقد تكون جزءاً من العالم الذي نعيش، وليس فقط الأوبئة كحالة طارئة، بل إن حالات الفوضى والشغب قد تكون مبرراً رئيساً لإعلان الدول لحالة الطوارئ باستمرار مما يفقد معها التزامها بتحقيق الحد الأدنى من حقوق الانسان الأساسية.

إن المواثيق الدولية التي تُجيز للدول إعلان حالة الطوارئ للتحلل من التزاماتها الحقوقية، يجب أن تكرس جهودها في فترة ما بعد الوباء إلى تحديد المدى الذي يمكن معه التغاضي عن هذه الالتزامات، وتحديد عام للإجراءات المقبولة من الدول للحفاظ على مثلث الضروريات ” النظام العام والصحة العامة والآداب العامة “.

اترك تعليقاً