You are currently viewing القرار الإداري غير المُحصّن!

القرار الإداري غير المُحصّن!

استقرّ في ذهني كما استقرّ لدى الكثيرين من زملاء مربّع العمل القانوني ونظرياته وتطبيقاته في شأن تحصُّن القرار الإداري بمُضي الستين يوماً -دون اعتراض أمام المحاكم الإدارية- التي وردت غير مرّة في بعض الأنظمة السعوديَّة، واتخذتُ ذلك كبديهيّة مسلّمةً لا تقبل النقاش فالتحصُّن الكامل لا يأتيه الإلغاء من بين يديه ولا من خلفه.

ولعلّي أرجعُ بك أيها القارئ الكريم إلى تمهيدٍ وتعريفٍ يشرحُ لك مقصدي الذي أستهل به هذا المقال لتتضح الصورة وتتلاشى الضبابية ولو قلَّت.

القرار الإداري الإيجابي يُعرَّف بـ (إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح وذلك بقصد إحداث مركز قانوني معين متى كان ممكناً وجائزاً وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة) ويتخذ شكلاً وهيئة، وله صورٌ عدّة منها قرار النقل والحسم وتقدير العقار المنزوع للمصلحة العامّة.

وهذا القرار الإيجابي هو محل بحثنا هنا إذ هو المتعلّق أصالةً بمُدة الاعتراض أمام ديوان المظالم والمحددة بــ (60 يوماً) من حين العلم بالقرار كما جاءت بذلك الفقرة (4) من المادّة الثامنة لنظام المرافعات أمام ديوان المظالم ومنها (جاز رفع الدعوى إلى المحكمة الإدارية خلال ستين يوماً من تاريخ العلم بالقرار الصادر بالرفض أو انقضاء الستين يوماً المذكورة دون البت في التظلُّم..) والمادة (24) من نظام نزع الملكية للمنفعة العامّة ونصها (يجوز لأصحاب الشأن التظلُّم أمام ديوان المظالم من جميع قرارات اللجان والأجهزة الإدارية التي تتخذ وفقاً لهذا النظام، خلال ستين يوماً من تأريخ ابلاغهم).

ووفق لما ورد فإنه يقتضي عدم قبول دعوى إلغاء القرار محل الاعتراض لتحصُّن القرار الإداري الإيجابي بمُضي الــ (60 يوماً) دون تقييد للدّعوى لدى محاكم ديوان المظالم وبالتالي يكتسب القرار الثبات شكلاً وموضوعاً وتنفيذه لزاماً.

هذا ما كنتُ أعرفه وأستذكره مع شركاء الدراسة والمناظرة وطالبو الاستشارة إلاَّ أني وقفتُ على تفصيلٍ قضائي (تسبيب الحكم رقم 6329 لعام 1440هـ، في محكمة الاستئناف الإدارية بالمدينة المنورة، حكم غير منشور) ينقض معرفتي التي زعمتُ في مستهل هذه التدوينة، ويتلخص هذا التفصيل أنَّ حصانة القرار الإداري ثابتة في مواجهة الأفراد دون الجهة الإدارية إذ لجهة الإدارة الحق في سحب القرار الإداري أو تعديله بعد مُضي المدّة وتحصنه كون سبب سحب القرار المنظور في الدعوى مُقنع للمحكمة المنعقد لها اختصاص دعوى الإلغاء.

وتأسيساً على ذلك يتبيّن أنَّ القرار الإداري يتحصّن فقط تجاه الأفراد دون الجهة الإدارية ولعل ذلك يُعزى لغائيّة المصلحة العامّة في القرارات الإدارية.

ولا أنسى أن أذكّرك عزيزي القارئ بأن القرار الإيجابي يقابله القرار السلبي والمتمثّل في (رفض جهة الإدارة أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه طبقا للأنظمة واللوائح) كما في الفقرة (ب) من المادّة الثالثة عشرة من نظام ديوان المظالم وقد استقرت الاحكام القضائيّة في قبول دعوى الإلغاء فيه دون اعتبار للمدة.

وعلى ضوء تسبيب الحكم الذي أشرتُ إليه تتجلّى سابقة قضائيّة تخرمُ السائدُ في منظومة القرار الإداري الإيجابي وفلسفة تحصنه بمرور الوقت، وهي تدعونا حقيقةً إلى شحذ النفسِ لمزيدٍ من التواضع التعلُّمي، واستحضار عِظَم المعلومات الخافية عن عقولنا مهما بلغنا من المعرفةِ والمؤهّلات والتجارب.

اترك تعليقاً