العقدُ الإِداري، والخَلطُ الذي لا بُدَّ منه..

العقدُ الإِداري، والخَلطُ الذي لا بُدَّ منه..

لنتفق قبل البدء.. النظام السعودي لم يُعرّف العقد الإداري!.

أجل.. وهذه الحقيقة مُغيَّبة لم نُعطها فضل بحثٍ وثواني تأمُّل ترفع عنَّا غيايةَ الجهلِ بها ، ولعلي أحكي لك القصَّة لتستوعب أكثر، في مرحلة الماجستير سلّمتُ خطة البحث التكميلي لمُشرفي أحسن الله إليه وإلينا، والمُعنون بــ (آثار العقود الإداريَّة بالنسبة لغير الأطراف في النظام السعودي – دراسة تحليلية-) وعدَّل ، وزاد ، وفصَّل فيها حتَّى أخذتُ إشارة البدء بالكتابة في مفاصلها، وحرصتُ على التفرُّد في الكتابة وَفق المستند والبيَّنة دون التعمُّق الأدبي الجائع ، فالبحوث القانونية لا قيمة لها دون سنَد وبيّنة وأصل.

وممّا استسهلتهُ الفصل المفاهيمي والمَعني بتحرير المفاهيم الأولى لمفردات البحث، ومن أُولاها العقد الإداري في النظام السعودي كونه الرأس البَحثي.

واستسهالي آنف الذكر يأتي من كثرة التشبُّع الموفور في كافّة الكُتب القانونية والأحكام القضائيَّة قديماً وحديثاً -ورقيّاً وانترنتيَّاً-التي فنّدت الخلاف والاتفاق في مفهوم العقد الإداري وتوسعت به.

وأثناء التدوين في صفحات الجزء المفاهيمي أخذني الغرور البحثي وصرتُ أتحدَّث عن مفهوم العقد الإداري في النظام السعودي تحديداً ، وأقولُ مُختصِراً ( النظام السعودي أخذ بالمعيار الشكلي في تحديد العقد الإداري وهو ارتباط العقد بجهة الإدارة دون مُراعاة لهدف تسيير المرفق العام وتضمّنه للشروط الاستثنائيَّة ) مُستنِداً في ذلك إلى الفقرة (د) من المادة الثالثة عشر من نظام ديوان المظالم ، والمتضمّنة انعقاد الاختصاص لديوان المظالم في ( الدعاوى المتعلّقة بالعقود التي تكون جهة الإدارة طرفاً فيها ) ، والفكرة التي أتفاخر بها مصدرها أحد كُتب المعاصرين.

لم تقف قصّتي هنا ، فقد جاء اليوم الذي تَكسَّر فيه غروري البحثي بإضافة عميقة نفضت عني وَهم المَعرفة ، وهذه الإضافة تربويّة الثمرة جاءت من أحد أعضاء محاكم الاستئناف الإداريَّة ، حيثُ سألني عن بحثي وأين بلغتُ فيه وو ، وكأني وجدتُ الأرضيَّة التي أقفُ عليها مع هذا العالِم فحدثته عن التعريف الذي لدي في مفهوم العقد الإداري سعوديَّاً ، فقال لي ( الفقرة المُستند عليها لم تعرّف العقد الإداري بل بيّنت اختصاص ديوان المظالم في العقود التي تبرمها جهة الإدارة فقط ) سمعتها منه ، وقد بلغت مني مبلغاً عرفتُ فيه عَجزي وحاجتي لمزيد تحصيلٍ ومشاركة للمعلومات بهدف التدارس لا التعالي ، وسألته ( إذن أين تعريف العقد الإداري في النظام السعودي ؟ فقال: سكت النظام السعودي عن ذلك، ولعلّه أراد أن يقول هذا شأن الفقهاء لا النظام).

وبالتالي يتبيّن بأن فلسفة القضاء الإداري السعودي أعطت للقضاة والفقهاء مجالاً في إبراز نظرياتهم القانونية دون تحميل نصوص النظام أكثر مما هو مبيَّن حرفاً وموضوعاً، وأزعم بأن سبب الخلط الحاصل في المادّة محل التعاريف واعتبارها تعريفا للعقد الإداري يتمثل في محورين: وهما غياب فرَضيَّة الجهالة والخطأ في معلوماتنا القانونيَّة وتعامّلنا معها بالذاكرة لا المُراجعة والثاني الفجوة القائمة بين منسوبي العمل القانوني قضاةً وعلماءً ومُحامين ومتدربين ، إذ عُهد عن قضاة السلف مُجادلة الفقهاء للعلم والمعرفة ، وبعدما استطردنا قليلا أعودُ إلى تعريف العقد الإداري واضعاً بين أيديكم الحكم الذي تناول الموضوع “جاء في حكم المحكمة الإدارية رقم 961/3/ق/1421هـ ما نصّه (العقدُ الذي يُبرمه شخص معنوي عام بقصد تسيير مرفق عام أو تنظيمه وتظهر فيه نيَّة جهة الإدارة في الأخذ بأحكام القانون العام) “

ولعلي عزيزي القارئ، بعد مشاركتك هذه المعلومة أكون قد حصّلت هدفي بالتدارس وتعزيز المناقشة مع ذوي الخبرة والتي تُقّوم الباحث وتربطه بالواقع الفعلي.

وختاماً مما يجدر بالذكر أن المنظم حين يختار سكوته عن بعض الجزئيَّات القانونية يساهم في تطوير النصوص القانونية ومنسوبي العمل القانوني على حدٍّ سواء ، ودلالة ذلك ما عرضته بين يديكم بِدءاً من ( لنتفق ) وانتهاءً بدعواتكم المُباركة .

اترك تعليقاً