الرقابة القضائية على التحكيم في المملكة العربية السعودية

الرقابة القضائية على التحكيم في المملكة العربية السعودية

يعد التحكيم كأحد الوسائل البديلة لفض المنازعات خيارًا مفضلًا لدى العديد من الأفراد، والمؤسسات، الشركات، وذلك لما للتحكيم من مميزات لا تتوافر في القضاء العادي. وتعد إرادة الأطراف هي الحاكمة على العملية التحكيمية، سواء بشكل جزئي أو بشكل كلي. ونظرًا لما للتحكيم وأحكام التحكيم من أهمية كان من الضرورة من تدخل الدولة من خلال سلطتها القضائية، وفرض رقابتها وذلك بالتأكد من سلامة تطبيق عملية التحكيم، وهذه الرقابة القضائية قد تكون سابقة على حكم التحكيم (الرقابة السابقة) أو قد تكون بعد صدور الحكم التحكيمية ( الرقابة اللاحقة).

ومن خلال هذه التدوينة نستوضح مظاهر الرقابة القضائية على التحكيم بنوعيها السابقة، واللاحقة. 

أولًا: الرقابة القضائية السابقة على حكم التحكيم: 

تتجلى الرقابة القضائية على التحكيم والتي تسبق صدور الحكم القضائي في نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي مرسوم ملكي رقم م / 34 بتاريخ 24 / 5 / 1433 في الآتي: 

  •  في حالة ثار نزاع حول مسألة ما أمام القضاء، مع وجود اتفاق التحكيم الذي يتعلق بهذه المسألة، ودفع المدعى عليه بوجود اتفاق التحكيم، فإن المحكمة تحكم بعدم جواز نظر الدعوى، مع الإشارة إلى أن هذا الدفع يعد دفعًا شكليًّا لا بد من إثارته قبل أي طلب أو دفاع في الدعوى ([1]). وتظهر الرقابة القضائية في احترام المحكمة لوجود اتفاق التحكيم، وبالتالي تحكم بعدم جواز نظر الدعوى.
  • وقد تظهر الرقابة القضائية السابقة للتحكيم بصورة تدخل للمساعدة في الآتي: 
  •  في حالة عدم اتفاق طرفي التحكيم على اختيار المحكمين، أو عدم الاتفاق على إجراءات تعيين الهيئة التحكيمية فإن المحكمة المختصة تقوم بتعيينها ([2])، وتقوم بتحديد أتعاب المحكمين ([3]).
  • رد المحكم إذا لم يتفق الأطراف حول إجراءات رد المحكم، وتم تقديم طلب للرد إلى هيئة التحكيم ورفض طلب رد المحكم، هنا يحق لطالب الرد أن يقدم طلبه إلى المحكمة المختصة خلال ثلاثين يومًا، ويكون الحكم غير قابل للطعن بأي طريق من طرق الطعن ([4]).
  • في حالة تعذر المحكم عن أداء مهمته، أو لم يباشرها، أو انقطع عن أدائها الأمر الذي يؤدي إلى التأخير في إجراءات التحكيم من غير مسوغ، ولم يتنحّ، ولم يتفق طرفا التحكيم على عزله، ففي هذه الحالة تتدخل المحكمة وتقوم بعزله وذلك بناء على طلب أي من الطرفين ([5])
  • إذا قدم أحد طرفي التحكيم أو الهيئة التحكيمية قبل البدء في إجراءات التحكيم طلب للمحكمة المختصة باتخاذ تدابير مؤقته أو تحفظيه ([6]).
  • في حالة طلب الهيئة التحكيمية من المحكمة المختصة الأمر بالإنابة القضائية ([7])
  • في حالة عدم اتفاق أطراف التحكيم والمحكمين على تحديد أتعاب المحكمين، فالمحكمة المختصة تصدر قرارًا فيه تحديد أتعاب المحكمين ([8])
  • إذا تشعبت آراء هيئة التحكيم وتعذر حصول الأغلبية، ومضى (١٥) يومًا من قرارها بتعذر الأغلبية فالمحكمة تقوم بتعيين محكم للترجيح في المسألة ([9])
  • إذا تجاوزت هيئة التحكيم المدة المحددة من أجل الفصل في الدعوى التحكيمية سواء كان منصوصًا عليه في اتفاق التحكيم، أو المدة المقررة في نظام التحكيم للفصل في الدعوى في حالة غياب اتفاق الأطراف ([10])

ولا بد من الإشارة إلى أن مسألة الرقابة السابقة على التحكيم حددها النظام على سبيل الحصر لا المثال؛ وإلا لتجاوزت سلطة المحكمة في مسألة الرقابة لتصل إلى أبعد من ذلك مما يؤثر على خاصية الرضائية باعتبار أن التحكيم نظام قضائي خاص قائم على إرادة الأطراف بعيدًا عن قضاء الدولة ([11])، فضلاً أن توسيع نطاق الرقابة القضائية بشكل مبالغ فيه قد يؤدي إلى فقدان الثقة بأحكام التحكيم، وبالتالي كان من الأهمية تضييق مسألة الرقابة في أضيق الحدود ([12])

الرقابة القضائية اللاحقة على حكم التحكيم: 

تعد إرادة الخصوم هي الأساس الذي ترتكز عليه عملية التحكيم، إلا أنها لا تستطيع تزويد هذه الأحكام بالقوة التنفيذية ليصبح سندًا تنفيذيًا وبالتالي يمكن معها التنفيذ الجبري، وعليه فإن أحكام التحكيم ما هي إلا أحكام مجردة خالية من القوة التنفيذية([13])، باعتبار أن القوة التنفيذية لا تكون لحكم التحكيم إلا بقرار من قضاء الدولة والذي  يستمدها من السلطة القضائية في الدولة([14])، وبناء على ذلك يتمثل مضمون الرقابة القضائية بإعطاء الصفة الإلزامية لحكم التحكيم، حتى يدخل حيز التنفيذ، ويكتسب حجية الأمر المقضي، من خلال الرقابة على الحكم بالتأكد من سلامة الإجراءات المتعلقة به حتى يذيل بالصيغة التنفيذية([15])

والهدف من هذه الرقابة هو تحقق قضاء الدولة من خلو حكم التحكيم من العيوب الجوهرية، وانتفاء ما يمنع تنفيذه دون أن النظر إلى موضوع التحكيم، وبالتالي فإن الرقابة التي يمارسها القضاء ما هي إلا رقابة خارجية شكلية، ومتى ما تحقق قضاء الدولة من سلامة حكم التحكيم يذيل بالصيغة التنفيذية (أمر التنفيذ) ويصبح سندًا تنفيذيًا ([16])

وقد تكون الرقابة القضائية اللاحقة على حكم التحكيم:

  •  رقابة إلغاء: وذلك بإلغاء الحكم الصادر من هيئة التحكيم، دون الحق في إصدار قرار يحل محل قرار التحكيم الملغي ([17])، ولا يجوز للمحكمة أن تقوم بإلغاء حكم التحكيم إلا عن طريق دعوى البطلان ([18]) متى ما توافرت أحد حالات البطلان المنصوص عليها في المادة (٥٠) من نظام التحكيم السعودي، والتي ذكرت على سبيل الحصر لا المثال.
  • رقابة التصديق: وهو «الإجراء الذي يصدر من القاضي المختص قانونًا بمقتضاه يتمتع حكم المحكمين وطنيًا كان أو أجنبيًا بالقوة التنفيذية» ([19])
  •  

وختامًا؛ فإن الرقابة القضائية على التحكيم بنوعيها اللاحقة والسابقة مقيدة بما نص عليه نظام التحكيم؛ حيث أن مضمون الرقابة لا يعدو أن يكون إلا تحققًا للسلطة القضائية من سلامة تطبيق العملية التحكيمية، والتأكيد على أن الرقابة التي تمارسها السلطة القضائية على التحكيم ما هي إلا رقابة شكلية وبالتالي لا يجوز لهذه الرقابة أن تمس موضوع التحكيم. 


([1]) المادة (١١/١) من نظام التحكيم السعودي.

([2]) المادة (١٥) من نظام التحكيم السعودي. 

([3]) المادة (٢٤/٢) من نظام التحكيم السعودي. 

([4]) المادة (١٧) من نظام التحكيم السعودي. 

([5]) المادة (١٨) من نظام التحكيم السعودي.

([6]) المادة (٢٢/١) من نظام التحكيم السعودي. 

([7]) المادة (٢٢/٢) من نظام التحكيم السعودي. 

([8]) المادة (٢٤) من نظام التحكيم السعودي. 

([9]) المادة (٣٩/١) من نظام التحكيم السعودي. 

([10]) المادة (٤٠/٣) من نظام التحكيم السعودي. 

([11]أحمد عبد الكريم سلامة، قانون التحكيم التجاري الدولي والداخلي، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٤م، ص٤٩. 

([12]) ماهر مصطفى محمود، الرقابة القضائية على حكم التحكيم، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات- دمنهور، العدد الثاني – المجلد التاسع، ٢٠١٧م، ص٢٦٨. 

([13]محمود السيد التحيوي، التحكيم في المواد المدنية والتجارية وجوازه في منازعات العقود الإدارية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، لا يوجد رقم طبعة، ١٩٩٩م، ص٢١٤. 

([14]) أحمد السيد أبو الخير، الوجيز في نظام التنفيذ القضائي الجبري، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٨هـ – ٢٠١٢م، ص١٢٢، نقلًا عن: فتحي والي (قانون التحكيم في النظرية والتطبيق)، منشأة دار المعارف، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧م، ص٤٨١.

([15]) عبد الله بن محمد أبا الخيل، الرقابة القضائية على التحكيم في المملكة العربية السعودية- دراسة مقارنة-، مجلة قضاء، العدد الأول، ٢٠١٢م، ص١٧٦.

([16]محمود السيد التحيوي، مرجع سابق، ص٢١٤-٢١٥. 

([17]عبد الله بن محمد أبا الخيل، مرجع سابق، ص٢٠٨.

([18]) المادة (٤٩) من نظام التحكيم السعودي. 

([19]) عبد الله بن محمد أبا الخيل، مرجع سابق، ص٢٢٦، نقلًا عن: د. آمال الفزابري: مرجع سابق، أحمد سعيد المومني: مرجع سابق، ص١٢٦.

اترك تعليقاً