الحماية القانونية للتراث الثقافي

الحماية القانونية للتراث الثقافي

“إن التراث العالمي هو فكرة بسيطة، ولكنها فكرة ثورية مفادها أن العالم يضم تراثاً ثقافياً وطبيعياً ذا قيمة عالمية ينبغي للبشرية حمايته بالكامل بوصفه إرثها الذي لا يتجزأ”.

“World Heritage is a simple idea, but a revolutionary one – that the world hosts cultural and natural heritage of universal value, which humanity must protect

together, as its indivisible legacy”.

العبارة أعلاه نُشرت على الموقع الرسمي لليونسكو في سياق الحديث عن أهم حدث رعته المنظمة العالمية في القرن الماضي لحماية التراث الثقافي العالمي في موقع ” أبو سمبل”، وربما تكون هذه العبارة هي أول ما يستحضره الذهن في الحدث الوطني الفريد من نوعه عندما أعلنت هيئة التراث في السادس عشر من سبتمبر 2020 اكتشاف آثار أقدام بشرية وحيوانية يعود تاريخها إلى أكثر من 120 ألف سنة في منطقة تبوك، وتأتي أهمية هذا الاكتشاف تحديدا كونه الدليل العلمي الأول على أقدم وجود للإنسان على أراضي الجزيرة العربية “ولكون التراث الثقافي حصنًا ضد التطرف وقوة دافعة لتعزيز الإحساس بالقرابة فيما بين الأفراد باعتبارهم جزءًا من مجتمع عالمي واحد”.

وتزامنًا مع أهمية الحدث وما يمثله التراث الثقافي من أهمية في رؤية المملكة 2030، تتحدث هذه المقالة عن أهمية قوانين حماية التراث الثقافي والأفكار التي أسست لوجودها وأسهمت في تطورها عبر التاريخ، والأخطار المهددة للممتلكات الثقافية وأبرز القضايا والأحداث التي كان لها الدور في إعادة النظر في الجهود المبذولة على الصعيد الدولي في حماية التراث، والأنظمة المعنية بحماية التراث الثقافي في المملكة العربية السعودية.

مقدمة تاريخية في نشأة قوانين حماية التراث الثقافي:

بدأت محاولات المجتمع الدولي في صون الممتلكات الثقافية خشيةً من تدمير التراث الإنساني بسبب الحرب في القرن التاسع عشر حينما كان خطر النزاعات المسلحة هو الخطر الوحيد المهدد للتراث الإنساني فأقيمت اتفاقية بروكسل عام 1874 للنظر في قوانين الحرب وأعرافها وكان أحد أهدافها هو حماية دور العبادة والفن من النزاع المسلّح آنذاك والتي نصت على وجوب اتخاذ كافة التدابير الضرورية لتجنيب المباني المُخصّصة للعبادة والفنون والعلوم من الضرر وبدعوة من قيصر روسيا نيكولا الثاني نظمت هولندا الندوة الدولية للسلام عام 1899 لإعادة النظر في اتفاقية بروكسل 1874، أما اليوم فلم يعد النزاع المسلح هو الخطر الوحيد الذي يهدد التراث الثقافي وتعددت المخاطر من كوارث طبيعية وانعدام القدرة المالية في بعض الدول والتوسع العمراني السريع ونمو المدن تبعا للتنمية الاقتصادية في دول أخرى مثلما حدث في نقل آثار معبد “أبو سمبل” إذ كان ما يهدد بقاء آثار النوبة هو بناء السد العالي في أسوان بمصر في منتصف ستينيات القرن الماضي الأمر الذي جعل اليونسكو تقود حملة لإنقاذ التراث العالمي في موقع “أبو سمبل” في مصر، وُصفت الحملة فيما بعد بـ”الحملة التي اهتز لها العالم”، لم لا وهي التي كانت مصدر بعث الاتفاقية الدولية التي قادها راسل إي. ترين الخاصة بالمحافظة على التراث العالمي، الثقافي والطبيعي، المعروفة باسم “اتفاقية اليونسكو بشأن التراث العالمي 1972″، التي حدّدت قائمة التراث العالمي للإنسانية، كانت تلك الحملة من الأحداث التي أثارت اهتمام غير مسبوق بالتراث العالمي حيث أوحت بمفهوم التراث العالمي للإنسانية وكانت فاتحة لتطوير الاتفاقيات الدولية في شأن المحافظة على التراث الإنساني والذي بررت المنظمة الدور الذي قامت به من منطلق دورها تجاه عناصر التراث العالمي التي تنتمي لإرث البشرية جمعاء، وربما كان هذا الحدث أحد أبرز الأحداث التي بيّنت الدور الواقعي للاتفاقيات الدولية في شأن المحافظة على التراث الثقافي إلا أنه لم يكن الخطوة الأولى في حماية التراث العالمي إذ استمرت مبادئ حماية التراث في التطور مع الاتفاقيات الدولية والمعاهدات وقرارات مجلس الأمن والقوانين الوطنية فيما بعد بدءًا من مبدأ حصانة الممتلكات الثقافية وحتى قرار مجلس الأمن بأن الدفاع عن التراث العالمي ضروري لضمان الأمن.

يولي العالم التراث الثقافي هذه الأهمية العالية، وبناء عليه تقوم الاتفاقيات الدولية وتستحدث بروتوكولات تضاف إليها كلما دعت الحاجة إلى ذلك أو الدعوة إلى قيام اتفاقيات جديدة تتلاءم مع الظروف الراهنة والأحداث المتغيرة للعالم.

ومن أهم الاتفاقيات والقرارات الدولية في هذا الشأن:

– “اتفاقية لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح” دعت هولندا للمؤتمر الدولي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح في لاهاي 1954.

– “اتفاقية لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي” التي أقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في دورته السابعة عشرة في باريس 1972.

– البروتوكول الإضافي لـ”اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح” والذي يدعو لحماية الممتلكات الثقافية ذات الأهمية الكبرى حماية تشريعية ملائمة على المستوى الوطني، تمت المصادقة على هذا البروتوكول عام 1999.

وقد دعت الدول والمنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” إلى اتخاذ عدة قرارات وتدابير في شأن المحافظة على التراث الثقافي، ومنها:

– القرار رقم 2199 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2015، والذي ينصّ على حظر الإتجار بالممتلكات الثقافيّة في العراق وسوريا.

– قرار مجلس الأمن رقم 2347 لعام 2017 المعني بحماية التراث والذي ينص على “إنّ التدمير المتعمّد للتراث جريمة حرب، بل وأصبح وسيلة من وسائل الحرب التي تسعى إلى تدمير المجتمعات على المدى البعيد، وكل ذلك في إطار استراتيجيّة تطهير ثقافيّ. ولهذا السبب لا تعدّ حماية التراث الثقافي مجرّد مسألة ثقافيّة، بل هي ضرورة أمنيّة وجزء لا يتجزّأ من ضرورة حماية الحياة البشريّة والدفاع عنها.” يعترف هذا القرار بشكل رسمي بأن الدفاع عن التراث الثقافي ضروري لضمان الأمن.

نشأة مبادئ حماية التراث الثقافي:

إن مبادئ حماية التراث الثقافي ودعوة المجتمع الدولي إلى اعتبار تراث الشعوب المادي “تراث للبشرية جمعاء” ليست وليدة اتفاقيات القانون الدولي الحديث ولم تؤسس قبل ذلك في دعوة قيصر روسيا نيكولا الثاني إلى مؤتمر لاهاي للسلام إذ تحكي الأسطورة أن حصون العبادة من الأماكن التي حرم فيها القتال عند الإغريق كما كان الناس يقومون باللجوء إليها وقت الحرب، كما أن تعاليم الإسلام وتوصيات الرسول –صلى الله عليه وسلم- للخلفاء في فتح الشام والعراق أقرت مبادئ تضمن عدم تدمير أماكن العبادة المسيحية واليهودية، وتطورت مبادئ حماية التراث الثقافي على النحو الآتي

– مبدأ احترام المقدسات والقبور والأبنية الثقافية الأخرىThe principle of respecting sanctuaries, tombs and other buildings of cultural significance: نشأ هذا المبدأ نظريًا في أطروحة المحامي والدبلوماسي السويسري إمير دي فاتل “قانون الأمم أو مبادئ القانون الطبيعي”.

– مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والممتلكات المدنية The Principle of Distinction between Civilian Objects and Military Objectives

– مبدأ حصانة الأعمال الفنية من المصادرة أو النهب: نشأ هذا المبدأ بمطالبة الشعوب باستعادة آثارها التي تعرضت للسرقة والتدمير إثر الحروب النابليونية.

– مبدأ حصانة الممتلكات الثقافية، حتى في حالة الحصار أو القصف The principle of immunity for cultural objects, even in case of siege or bombardment:..

وتستثنى الممتلكات الثقافية من الحصانة في حالة تم استخدامها من قبل الجيوش للتحصن وقت المعارك كما حدث في تدمير الولايات المتحدة “دير كاسينو” عندما تحصنت فيه الجيوش الألمانية بهدف إيقاف مسيرة الحلفاء إلى روما.

وأقرت اتفاقية لاهاي في شأن حماية الممتلكات الثقافية هذه المبادئ ولأن كثيرا من الدول لم تلتزم بالاتفاقية فقد تمت إضافة مادة تتعلق بحماية التراث الثقافي في البروتوكولين الإضافيين للمؤتمر الدبلوماسي في جنيف (1974-1977)، وتم تضمين حكم حظر الممتلكات في اتفاقية جنيف الرابعة “المادة 33”.

أبرز القضايا والنزاعات الناشئة عن تدمير التراث:

1. مع اندلاع حرب الاستقلال الكرواتية في عام 1991 قامت القوات اليوغوسلافية التي يسيطر عليها الصرب بتدمير متعمد للبلدة القديمة في دوبروفنيك والذي صنفته اليونسكو بداية ذلك العام ضمن مواقع التراث العالمي المهدد بالخطر، لاحقًا في العام 2004 تمكنت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بالتعاون مع اليونسكو من إدانة القائد السابق للبحرية اليوغوسلافية يوكيتش وكانت هذه أول إدانة بجريمة التدمير المتعمد للتراث.

2. سيطرت جماعة أنصار الدين الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي على منطقة تمبكتو الواقعة غربي مالي وقامت بتدمير متعمد لعشرة معالم تاريخية ودينية تضم أضرحة ومسجد، في العام 2015 سلّمت النيجر المشتبه به الأول في هذه القضية الإرهابي أحمد المهدي الفقي إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي والتي أدانته في العام 2016 بتدمير التراث الثقافي باعتبارها جريمة حرب.

نظرة على موضوعات أهم الأنظمة المعنية بحماية التراث الثقافي في المملكة العربية السعودية:

كان أول نظام صادر في شأن حماية التراث الثقافي في المملكة هو نظام الآثار الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/26 في 23/6/1392 هـ بعد ذلك بأربعة عقود صدر “نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني” في عام 1436 هـ تضمنت أحكام النظام المبادئ العامة لحماية التراث الثقافي كما جاء في المادة التاسعة “2- تجب المحافظة على مواقع الآثار والتراث العمراني عند وضع مشروعات تخطيط المدن والقرى، أو توسيعها، أو تجميلها، كما تجب مراعاة الارتفاق لها، ومنها إيجاد منطقة حماية غير مبنية حول هذه المواقع بالتنسيق مع وزارة الشؤون البلدية والقروية، ولا يجوز إقرار مشروعات التخطيط التي فيها –أو في نطاقها- مواقع آثار أو تراث عمراني إلا بعد أخذ موافقة الهيئة” وحدد النظام تصنيف المواقع الأثرية ووسائل حمايتها، وتضمن النظام أحكام مواقع الآثار والمواقع التاريخية ومواقع التراث الشعبي، الآثار الغارقة، الآثار المنقولة وقطع التراث الشعبي والإتجار بها، المسح الأثري والتنقيب عن الآثار، كما تضمن في الفصل السادس أحكام صون التراث العمراني، وحدد النظام في الفصل السابع أحكام المتاحف وتصنيفها وجاء الفصل الثامن من النظام بتحديد العقوبات في حق مخالفي أحكام النظام والجهة المختصة بالنظر في المنازعات الناشئة عن تطبيق أحكامه.

وإلى جانب “نظام المتاحف والآثار والتراث العمراني” فإن “تنظيم الهيئة العامة للسياحة والآثار” عني بتنظيم “العمل على حماية الآثار وصيانتها وترميمها وإدارتها وتهيئتها للزوار، والمحافظة على التراث العمراني وتنميته، بما في ذلك من مدن وأحياء وقرى ومبان وحرف وصناعات تقليدية ومعالم تاريخية والعمل على توظيفها ثقافيًّا واقتصاديًّا” (المادة الرابعة، الفقرة (16)).

ويعد “نظام حماية التراث المخطوط في المملكة العربية السعودية” الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/23 بتاريخ 24/5/1422هـ من الأنظمة المعنية بحماية التراث الثقافي والذي يختص تحديدًا بحماية التراث المخطوط في المملكة، إذ عرّف النظام المخطوط بأنه: ” ما خط باليد أو رُقن بالآلة، ومضى على تدوينه خمسون عامًا فأكثر، سواء أنشر فيما بعد أم لم ينشر، وسواء أكان في مكتبة رسمية أم خاصة، أو لدى الهيئات أو شخص بعينه.

ختامًا.. إذا كان تدمير التراث الثقافي يقصد به تدمير الضمير الجماعي للشعوب، فإن صون التراث الثقافي هو حماية للذاكرة الجماعية للشعوب.

ونظرًا لما يمثله التراث الثقافي السعودي من أهمية في رؤية المملكة 2030 وما تمثله المبادرات الرائدة التي تقودها وزارة الثقافة في المجال الثقافي والتي نتج عنها إنشاء 11 هيئة لتنمية القطاعات الثقافية من نقلة نوعية وتطور في مكانة الثقافة في المملكة فإننا نترقب مزيدًا من التقدم في مجال حماية التراث الثقافي للمملكة والذي يستمد قوته من وجود تشريعات تحمي النهضة في هذا المجال إلى جانب المشاريع العملاقة القائمة لتطويره.

اترك تعليقاً