التخصيص … هل هو شرٌ لابد منه أم نقلة دراماتيكية للقطاعات الحكومية ؟

التخصيص … هل هو شرٌ لابد منه أم نقلة دراماتيكية للقطاعات الحكومية ؟

نشرت صحيفة أم القرى يوم الجمعة 13 شعبان 1442هـ في العدد 4876 نظام التخصيص في خمسة وأربعون مادة، وصاحب هذا النشر ضجيج عشوائي يخلط بين أصوات تحمل نظرة سوداوية لمستقبل القطاعات المخطط تخصيصها، وبين أصوات حالمة تُجزم بأنه سيستيقظ المجتمع غدًا وقد حُلت كل تحدياته الاقتصادية بفضل التخصيص .

في البداية، يُعرّف البنك الدولي الخصخصة بأنها زيادة مشاركة القطاع الخاص في إدارة ملكية الأنشطة والأصول التي تسيطر عليها الحكومة أو تملكها.

 إن مفهوم الخصخصة أو التخصيص يعود إلى قرون سابقة، ففي اليابان بدأت الحكومة اليابانية في أواخر القرن التاسع عشر بإقامة مصانع ثم بيعها على الأفراد والشركات، وفي أمريكا عندما قامت بلدية مدينة نيويورك بالسماح لشركة خاصة بالقيام بأعمال نظافة للمدينة، فقد فرضت الخصخصة نفسها كواحدة من أهم الاتجاهات التي اتخذتها الدول الغربية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مع تغيير الأنماط السياسية وتوسع التجارة العالمية، ورغم اندفاع هذه الدول نحو التخصيص متأسية بالنموذج الأمريكي إلا أن الدول النامية اتجهت نحو تدخل أعمق وأكثر للحكومة في الاقتصاد، ووضع قيود مشددة أكثر تجاه الاستثمارات الأجنبية.

أما عن الجذور التاريخية للخصخصة، ففكرة بيع الأصول لطرف خاص أو مشاركة قطاع خاص في تقديم خدمة للجمهور لم تكن دائماً فلسفة غربية في توجيه الاقتصاد، ففي التراث الفلسفي العربي والإسلامي تحدث ابن خلدون في مقدمته عن أهمية إشراك القطاع الخاص بالإنتاج، وكيف أن تقسيم العمل شرطاً من أجل البقاء على قيد الحياة وذلك منذ أكثر من ستمائة عام.

في المملكة، لم يكن نظام التخصيص الصادر منذ عدة أيام إلا جزء من خطة طويلة المدى تتكئ على أحد محاور رؤية 2030 والتي أعلنها ولي العهد في ابريل 2015، وفي عام 2018 اُعتمد برنامج التخصيص لإرساء الأسس المؤسسية للمشاركين من القطاع الخاص وللمضي قدماً في تنفيذ مبادرات البرنامج في سياق رؤية 2030.

ورغم أن مبادرات التوجه نحو التخصيص والتنظيمات التي تستهدف التدرج في مشاركة القطاع الخاص في عدة قطاعات من أهم برامج رؤية 2030، إلا أن تاريخ المملكة مع التخصيص لم يبدأ مع إطلاق الرؤية، فقد صنعت المملكة نموذج للتخصيص عندما قامت منذ سنوات بطرح 30% من أسهم الشركة السعودية للصناعات الأساسية ” سابك ” .

وبالعودة إلى نظام التخصيص، عرّف النظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأنه ” ترتيب تعاقدي مرتبط بالبنية التحتية أو الخدمة العامة ينتج عنه علاقة بين الحكومة والطرف الخاص ” ، كما اشترط النظام فيه عدة شروط : أن تكون مدته خمس سنوات فأكثر، وأن يؤدي الطرف الخاص بموجبه عملين فأكثر من أعمال تصميم الأصول أو تشييدها أو إدارتها أو تشغيلها أو صيانتها أو تمويلها، وأن يكون هناك توزيع نوعي للمخاطر بين الطرف الخاص والحكومة، وأخيراً أن يكون المقابل المالي الذي يستحقه الطرف الخاص أو يلتزم به مبني بشكل أساسي على مستوى أدائه في تنفيذ الالتزامات المسندة إليه.

ورغم النظرة الشعبية السلبية للتخصيص والتي تعود لعدم الثقة في قدرة القطاع الخاص على الموازنة بين مصالحه وبين النفع العام وتقديم خدمات ذات جودة تضاهي الخدمات الحكومية التي عُرفت بتميزها خصوصاً في قطاعات معينة تمس المواطن مباشرة كالقطاع الصحي والتعليمي، إلا أن النظرة المشككة في القطاع الخاص تغفل نقطة مهمة وهي وجود الحكومة كعنصر رقابي على جودة الخدمات المقدمة من الطرف الخاص، أي أنه كما وصفتها برامج رؤية 2030 ” تراقب الحكومة جودة الخدمات المقدمة للمواطن، بعد أن كانت تراقب نفسها بنفسها ” فبدل من قيامها بتقديم الخدمات في شتى المجالات، ستجنح إلى منح أو مشاركة طرف خاص ذو خبرات متخصص في كل خدمة لتقديمها، بينما ترقى بنفسها كطرف إشرافي أو رقابي أو مشارك في تقديم الخدمة بحسب شكل الخصخصة إن كانت في شكل نقل ملكية أصول إلى القطاع الخاص أو تقديم الخدمات بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، وفي هذا الصدد وُجدت نماذج مشرقة للخصخصة ليس فقط في الخارج و في الدول التي قطعت شوطاً طويلاً في الخصخصة، وإنما في نموذج مطار الملك فهد بالدمام والذي وافق مجلس إدارة الطيران المدني في عام 2017 على تحويله إلى شركة تتولى إدارة وتشغيل المطار، حيث ارتفعت نسبة الرضا عن الخدمات وعدد المسافرين فيه بما لا يقل عن 4% خلال الربع الأول من تخصيصه، وفي سبتمبر عام 2019 بلغت نسبة الرضا عن الخدمات 79% حسب تقارير الهيئة العامة للطيران المدني، فلأجل هذه النتائج كان التخصيص دائماً السبيل التي تلجأ إليه الدول لجذب وتوسيع الاستثمارات الأجنبية، ولإعادة رسم دور الحكومة في النشاطات الإنتاجية، ولرفع مستوى التنافسية وتقديم منتجات ذات جودة عالية.

ورغم كل مزايا التخصيص، يجب أن لا نغفل أن المخاوف تجاه الخصخصة ليست بلا خلفيات واقعية، فكما تتزايد نماذج النجاح للتخصيص فنماذج الفشل والاحتكار وانعدام الكفاءة لا تحصى أيضاً، فأينما وُجد تخصيص للقطاع العام بلا رقابة وبلا معايير صارمة ومنافسة في تقديم الخدمات، وُجد احتكار ولامبالاة بالنفع العام وخدمات ذات جودة سيئة وأسعار باهظة، كما كانت تجربة العديد من الدول النامية في هذا التوجه، فقد أدى سوء القوانين الضابطة لعملية التخصيص وإهمال الرقابة الحكومية في بعض الدول التي توجهت إلى التخصيص بدون أهداف واضحة إلى تآكل الطبقة الوسطى لديها مع زيادة في معدلات الفقر.

ولتمكين عمليات التخصيص في المملكة تم تأسيس المركز الوطني للتخصيص بقرار مجلس الوزراء رقم 355 بتاريخ 7/6/1438هـ ليكون أداة للحكومة، وللمراقبة وإعداد التقارير ومتابعة التقدم في عمليات التخصيص ووضع إطار تنظيمي للتخصيص بين القطاعين العام والخاص.

أخيراً، إن عمليات التخصيص بنجاحها وفشلها في كل الدول كانت مثالاً واضحاً على أن التوجه نحو التخصيص يجب أن يكون في سياق خطوات متباطئة دقيقة، فقد يؤدي الإغفال عن أي تفصيل تنظيمي إلى عواقب مضنية طويلة الأمد على الاقتصاد وسوق العمل ومستوى جودة الحياة للمواطن، لذلك فنجاح تجارب التخصيص ورفع مستوى التنافسية لتحسين مستوى الخدمات وتوفير الوظائف تعتمد على مدى فاعلية المركز وقدرته على ضبط عمليات التخصيص لتعزيز كفاءة الاقتصاد الوطني وحمايته من الاحتكار .

اترك تعليقاً